الأربعاء، 22 ديسمبر 2010

اختبار الانتخاب (الاصطفاء ) الطبيعي

قد يتأخر اكتشاف بعض الأفكار في فرع علمي ما لطبيعتها الدقيقة والمعقدة أو الصعبة . ولكن مفهوم الانتخاب الطبيعي ليس بإحدى تلك الحالات . فمع أنه ظهر متأخراً مقارنة بأفكار ثورية علمية أخرى - طرحت من قبل " دارون " و " والاس " في عام 1858 ، وتلاها إصدار " داروين " كتابه أصل الأنواع في عام 1859 – فإن فكرة الانتخاب الطبيعي هي البساطة بعينها . وتتمكن بعض الكائنات من الازدهار في ظروف معينة أكثر من غيرها وتنجب نسلا أكثر ، فتصبح أكثر شيوعا مع مرور الزمن ؛ أي أن البيئة " تنتخب " من الكائنات تلك الأكثر تلاؤما مع الشروط المحيطة الحالية وعند تغير الشروط البيئية ستسيطر مكانها تلك الكائنات التي تصادف أن امتلكت خواص أكثر مواءمة مع الشروط المستجدة . فالجانب الثوري في الداروينية لا يتمثل في ادعاءات ملغزة حول البيولوجيا ، وإنما في إيحائها بإمكانية كون المنطق المؤسس للطبيعة مدهشا في بساطته .

عانت نظرية الانتخاب الطبيعي ، على الرغم من بساطتها ، تاريخا طويلا حافلا بالصعوبات . فبعكس طرح " داروين " حول تطور الأنواع الذي لقي قبولا سريعا من البيولوجيين ، فإن معظمهم لم يقبل ما طرحه حول أن الانتخاب الطبيعي هو المحرك لمعظم هذا التغير؛ وحتى أنه لم يتم عموما اعتماد مبدأ الانتخاب الطبيعي كقوة رئيسية للتطور فعليا إلا بعد مضي عقود في القرن العشرين .

ويتبوأ مبدأ الانتخاب الطبيعي حاليا موقعا آمنا نتيجة لعقود من البحث التجريبي التفصيلي ، علما أن فصول التمحيص في الانتخاب الطبيعي لم تستكمل البتة حتى الآن . والواقع هو أن تطوير تقنيات تجريبية جديدة جزئيا والعمل على التحليل التجريبي الدقيق للآليات الجينة المؤسسة للانتخاب الطبيعي ، أكسبا مساعي دراسة الانتخاب الطبيعي في البيولوجيا حيوية فاقت ما كانت عليه قبل عقدين من الزمن . وقد تمحور الكثير من الأبحاث التجريبية الحديثة هذه حول أهداف ثلاثة : تحديد مدى شيوع الانتخاب الطبيعي ، وتحديد التغيرات الجينية الدقيقة الناجمة عن الانتخاب الطبيعي والمولدة للتكيّف ، ثم تقدير مدى إسهام الانتخاب الطبيعي في إشكالية أساسية في البيولوجيا التطورية تتمثل في منشأ الأنواع الجديدة .

الانتخاب الطبيعي : فكرته


تعد الاستعانة بالكائنات ذات دورة الحياة القصيرة التي تسمح بتتبع عدة أجيال منها ، الطريقة المثلى لتقدير أهمية دور الانتخاب الطبيعي في عملية التطور .فبعض أنواع البكتيرات تستطيع مضاعفة عددها كل نصف ساعة ، وهكذا لنتصور مجموعة من البكتيرات موزعة في نمطين جينيين بداية وبأعداد متساوية . ولنفترض إضافة إلى ذلك أن كليهما يلتزمان بالتكاثر التالي :
بكتيرات النمط الأول لا تولد إلا نسلا من النمط الأول ، و بكتيرات النمط الثاني لا تولد إلا نسلا من النمط الثاني . والآن لنفترض حدوث تغير فجائي في البيئة : وضع مضاد حيوي في هذه البيئة يستطيع النمط الأول مقاومته ، في حين يعجز عن ذلك النمط الثاني . في هذه البيئة الجديدة يكون النمط الأول أكثر لياقة ؛ أي أنه أحسن تكيفا ، فهو يبقى – ومن ثم يتكاثر – أكثر من النمط الثاني . والنتيجة أن النمط الأول يولد نسلا أكثر مما يولده النمط الثاني .

ويجسد مصطلح " اللياقة " fitness، المستخدم في سياق البيولوجيا التطورية والذي هو مصطلح تقني ، فكرة : أرجحية البقيا أو التكاثر في بيئة معينة . وحصيلة عملية الانتخاب ، التي تكررت مرات عديدة لا حصر لها في سياقات مختلفة هو ما نراه في الطبيعة : نباتات وحيوانات ( و بكتيرات ) لائقة fit لبيئتها بطرق معقدة .

وبمقدور علماء الوراثة التطوريين إثراء النقاش السابق من خلال إتحافنا بتفاصيل بيولوجية غنية . فنحن نعلم ، على سبيل المثال ، أن منشأ الأنماط الجينية هو طفرات في جزيء الدنا dna – تغيرات عشوائية في تسلسل النكليوتيدات ( وهو خيط متسلسل مكون من الأحرف T,C,G,A ) المكونة " للغة " الجينوم . وكذلك نعلم قدرا جيدا عن معدل تشكل طفرة مشتركة – تحول في حرف واحد في الدنا إلى حرف آخر . فلكل نكليوتيد في كل خلية تناسلية ، في كل جيل ، فرصة واحدة في البليون تقريبا كي يتحول إلى نكليوتيد آخر . ولكن الأهم في هذا السياق ، هو أننا على علم بعض الشيء بتأثير الطفرات في اللياقة . فالغالبية الساحقة للطفرات العشوائية ضارة بالكائن الحي ، فهي تحط من لياقته ؛ ويقتصر المفيد منها الداعم للياقة على أقلية قليلة جدا . ومعظم هذه الطفرات سيئ للسبب نفسه الذي يجعل معظم أخطاء الطباعة في كود الحاسوب سيئ . فالمرجح أن يؤدي أي تغير عشوائي في منظومة محكمة بدقة إلى خلل في الأداء وليس إلى تحسنه .

تنقسم فعالية التطور التكيفي adaptive evolution إلى مرحلتين ، يتوزع فيهما العمل بشكل صارم بين حادثة الطفرة وعملية الانتخاب . وينجم عن هذه الطفرات في كل جيل كائنات جديدة معدلة جينيا تثري الجماعات . ويغربل الانتخاب الطبيعي لاحقا هذه الطفرات : تعمل قسوة الشروط البيئية على خفض تواتر الكائنات المعدلة " السيئة " ( غير اللائقة نسبيا ) ترفع من تواتر " الجيدة " ( اللائقة نسبيا ) . وتجدر الإشارة هنا إلى قدرة جماعة الكائنات على جمع العديد من الأفراد المعدلين جينيا في آن واحد ، ويساعد هذا الجمع على التصدي للمتغيرات البيئية عندما تنشأ . فقد تكون الجينة التي أنقذت بكتيرات النمط الأول من تأثير المضاد الحيوي بلا فاعلية – أو حتى ذات أثر ضار قليلا – في ظروف البيئة الخالية من المضاد الحيوي ، ولكن توافرها في النمط الأول مكن البكتيرات من البقيا عندما تغيرت الظروف .

لقد أضاء علماء الوراثة المختصون بالجماعات جوانب من عملية الانتخاب الطبيعي أيضا عبر اللجوء إلى وصف رياضياتي لها . وبينوا ، على سبيل المثال ، وجود تناسب طردي بين درجة لياقة نمط ما في جماعة من جهة ، وسرعة تنامي تواتره من جهة أخرى . وقد أمكن بالفعل حساب مدى سرعة حدوث هذه الزيادة . واكتشف علماء الوراثة المختصون بالجماعات الحقيقة المدهشة بأن للانتخاب الطبيعي قوة " إبصار" من الصعب تصورها ، تستطيع تمييز تباين مدهش في الصغر في مستوى لياقة الأنماط الجينية . ففي جماعة مكونة من مليون فرد ، بمقدور الانتخاب الطبيعي أن يعمل من خلال تباين صفير في مستوى لياقة الأفراد يصل إلى واحد في المليون .

وثمة سمة مميزة لمنطق الانتخاب الطبيعي وهي أنه يبدو صحيحا من أجل أي مستوى من مستويات الكينونة entity الحيوية ، من الجينة إلى النوع . وقد أخذ البيولوجيون في الاعتبار ، منذ " داروين " بالطبع ، تباين اللياقة بين أفراد الكائنات ، ولكن يمكن للانتخاب الطبيعي من حيث المبدأ ، التأثير في بقيا survival أو تكاثر كائنات أخرى .

وعلى سبيل المثال ، يمكننا أن نفسر أن : أنواع الكائنات ذات الانتشار الجغرافي الواسع لها – كنوع – فرصة أكبر للبقيا من الأنواع الأخرى ذات الانتشار الجغرافي المحدود . فالأنواع الأولى المنتشرة ستتحمل ، في النهاية زوال بعض الجماعات المحلية أكثر مما ستتحمله الأنواع المحصورة جغرافيا. وبذلك قد يتنبأ منطق الانتخاب الطبيعي بزيادة نسبية مع مرور الوقت في الأنواع ذات الانتشار الجغرافي الواسع .

وعلى الرغم من صحة هذه الحجة شكليا – و التطوريون يشتبهون فعلا في حدوث انتخاب مستويات أعلى بين الحين والآخر فإننا نجد معظم البيولوجيين متفقين على كون الانتخاب الطبيعي يحصل اعتياديا في مستوى الكائنات الفردية أو الأنماط الجينية . ويعود ذلك إلى أن مدة حياة الكائنات أقصر كثيرا من مدة حياة الأنواع . فالانتخاب الطبيعي في مستوى الكائنات هو الغالب في مستوى الأنواع .

ما مدى شيوع الانتخاب الطبيعي ؟

إن أحد أبسط الأسئلة التي يمكن أن يطرحها البيولوجيون حول الانتخاب الطبيعي هو أيضا – وهذا مفاجئ – أكثرها صعوبة من حيث الإجابة عنها : ما مدى مسؤولية الانتخاب الطبيعي في إحداث تغيرات في التكوين الجيني العام لجماعة ما ؟ إن أحدا لا يشك جديا في أن الانتخاب الطبيعي هو المحرك لعميلة تطور معظم السمات الفيزيائية في الكائنات الحية – اذ لا يوجد تفسير آخر معقول للسمات الواسعة الانتشار ، كالمنقار والعضلة ذات الرأسين والدماغ . ولكن هناك شك جدي حول أهمية الدور الذي يؤديه الانتخاب الطبيعي في توجيه التغير على المستوى الجزيئي . ما هي إذن نسبة التغيرات التطورية في الدنا التي منشؤها مفعول الانتخاب الطبيعي عبر ملايين السنين ، مقارنة بالتغيرات التي تعود إلى مفعول بعض العمليات الأخرى ؟

افتراض جمهور علماء الحياة ، حتى أعوام الستينات من القرن الماضي أن الإجابة عن هذا السؤال تتمثل في " جميع التغيرات تقريبا " إلا أن مجموعة من علماء الوراثة المختصين بالجماعات يرأسها الباحث الياباني "كيمورا " تحدث بقوة هذه الفرضية . فقد جادل "كيمورا" بأن معظم التطور الجزيئي لا يحركه عادة انتخاب طبيعي " إيجابي " حيث ترفع البيئة من خلاله تواتر الأنماط المفيدة التي كانت نادرة في البدء . والأحرى – كما قال – أن معظم الطفرات الجينية التي تدوم وتبلغ تواترا مرتفعا في الجماعات هي محايدة انتخابيا وليس لها أثر يذكر في اللياقة بطريقة أو أخرى .



وتستمر بالطبع الطفرات الضارة بالظهور بمعدل مرتفع ، إلا أنها لا تستطيع أبدا بلوغ تواتر مرتفع في جماعة ما ؛ أي إنها مسلك تطوري مسدود, ولما كانت الطفرات المحايدة عمليا " غير مرئية " في البيئة الأنية ، فإن بمقدورها أن تتسلل بهدوء إلى الجماعة ، ومع مرور الزمن تعدل تركيب الجماعة الجيني تعديلا رئيسيا . وقد أطلق على هذه العملية تسمية " الانجراف الجيني العشوائي " وهو جوهر نظرية الحياد في التطور الجزيئي .

ومع ولوج الثمانينات من القرن الماضي ، تبنى معظم علماء الوراثة التطوريين نظرية الحياد ، إلا أن معظم البيانات الساندة لهذا التوجه كان غير مباشر ، إذ غابت الاختبارات الحرجة المباشرة .وساعد تطور مسعيين على إصلاح هذه المشكلة :
المسعى الأول هو تصميم علماء الوراثة المختصين بالجماعات اختبارات إحصائية بسيطة لتمييز التغيرات الحيادية في الجينوم من تلك ذات الطبيعة التكيفية .
والمسعى الثاني هو تصميم تقانات جديدة لتحليل تسلسل الدنا أو الجينوم الكلي للعيد من الأنواع ، مما وافر مدا كبيرا من البيانات أتاح تطبيق الاختبارات الإحصائية نفسها عليها .

وقد أوضحت تلك البيانات الجديدة أن نظرية الحياد قد بخست الانتخاب الطبيعي أهميته . في إحدى هذه الدراسات عمل فريق ، يرأسه كل من " بيكان " و " لانكلي " ( وهما في جامعة كاليفورنيا – ديفيس ) ، على مقارنة تسلسل دنا نوعين من ذبابة الفاكهة ، تابعين لجنس الدوروسوفيلا Drosophila . فحللا نحو ستة ألاف جينة في كلا النوعين ، وحددا تلك الجينات التي قد تشعبت بعد انفصال النوعين عن أصلهما المشترك , وعبر تطبيق اختبار إحصائي ، قدرا أنه يمكن استبعاد التطور الحيادي في 19% على الأقل من هذه الجينات ؛ أو بعبارة أخرى : إن الانتخاب الطبيعي يدفع التشعب التطوري في خُمس مجموعة الجينات المدروسة ( ولأن الاختبار الإحصائي المستخدم كان محافظا ، فإن النسبة الحقيقية قد تكون أكبر بكثير ) .

ولا تعني هذه النتيجة تهميش التطور الحيادي ؛ إذ إن بعضا من الجينات الـ81% قد يكون ، في النهاية ، تشعب بفعل عامل الانجراف الجيني ؛ بل هو يدل على أن دور الانتخاب الطبيعي في تشعب الأنواع يفوق ما خمنه معظم مؤيدي نظرية الحياد . ودفعت دراسات شبيهة بتلك معظم علماء الوراثة التطوريين إلى استنتاج مفاده أن الانتخاب الطبيعي هو العامل الشائع الذي يحرك التغير التطوري ، حتى في مستوى تسلسل نيكلوتيدات الدنا .

يتبع ...


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق