الأربعاء، 22 ديسمبر 2010

نظرية التطور الحديثة

نظرية التطور الحديثة
بقلم حمدي الراشدي


مقدمة:
ظهر علم التتطور الحديث انطلاقا من مجموعة العلوم التي ظهرت بعد اكتشاف تركيب وميكانيزم المورثات وخصوصا: الكيمياء البيلوجية، الكيمياء الحيوية، الهندسة الوراثية، علم المستحاثات، علم الاجتماع والصفات المكتسبة، وبالطبع التقنية الحديثة.
تعريف مبدئي:
التتطور هو مجرد تغيير في الجينات يؤدي الى تغيير في الصفات المسؤولة عنه هذه الجينات، يحدث بنتيجة تاثير يؤدي الى تغيير في ترتيب الشفرة الجينية، مما يؤدي بدوره الى تغيير في البروتينات المنتجة على اساس الشيفرة الجديدة، ليعطي بروتين يختلف عن الاصل. والتتطور ليس بالضرورة نحو الافضل، كما انه ليس بالضرورة نتيجة تأثيرات داخلية فقط ، عدا عن ان التغير ليس بالضرورة مرأي للعين المجردة.

المورثات (=الجينات): جمع مورثة، وهي وحدة من الاحماض الامينية المتسلسلة تحمل الصفات، التي تنتقل الى الاجيال الاخرى عن طريق إعادة إستنساخ السلسلة بدون تغيير.

حوض المورثات: مجموع المورثات المتوفرة في نوع أو مجموعة من الكائنات الحية، ويجري إزدياده وتنوعه باستمرار بفضل التغيير المستمر في الافراد والمجموعات عن طريق الطفرة او الامراض.
____________
الفصل الاول: علم الجينات
اصبح احد اهم اعمدة نظرية التتطور الحديث، وصوم بدراسة مفصلة للجينات الحية وميكانيزم عملهم ومكوناتهم. وقد اتم منذ فترة قريبة دراسة موسعة لوضع خريطة مورثات الانسان، التي كشفت عن وجود مالايقل عن ثلاث ملايين اختلاف بين البشر نفسهم.
للإطلاع على خريطة الجينات الانسانية إضغط هنا
واليوم بعد الانتهاء من خريطة مورثات الشمبانزي، التي اظهرت بأن خطوط تتطور الانسان والشمبانزي قد انفصلت عن بعضهما البعض منذ 5-6 مليون سنة. (عن هذا سيأتي فصل منفصل وكامل). علم البيلوجيا الكيميائية والبيلوجيا الحيوية اظهرت منذ السبعينات ان الانسان والشمبانزي متشابهان جينيا الى درجة مثيرة. الخارطة الجينية اظهرت ان 99% من المورثات الموثقة هي مشتركة. الامريكان اثبتوا اخيرا ان احد اهم نقاط الخلاف بين الشمبانزي والانسان، ان دماغ الانسان ينتج احد انواع البروتينات اكثر من الشمبانزي. هذا التشارك بالمورثات ليس مع الشمبانزي فحسب بل مع جميع الكائنات الحية بدرجات مختلفة الامر الذي يشير الى الاصل المشترك. للمزيد من الاطلاع:
مقال حول قرب انتهاء الخارطة الجينية للشمبانزي
مقال آخر حول المثارنة بين مورثات الشمبانزي والانسان

المورثات

وهي موجودة على كروموسومات الكائن الحي، ومؤلفة من اشرطة حلزونية من الاحماض الامينية لها طابع البصمة المميز، وتقوم بحفظ التعليمات الوراثية لنظام إعادة استنساخ الذات. يوجد نوعين من الأحماض النووية كما تقدم..هما::
أ/ الحمض الرايبونيوكلتيدي Ribonucleic Acid (RNA)
ب/ الحمض الديؤكسي رايبونيوكلتيدي Deoxyribonucleic Acid (DNA)
وهي عبارة عن تتابع القواعد. ويتكون البناء الأساسي لهده الأحماض من سلاسل بها جزيئات حمض فسفوريك وسكر بالتبادل ويتصل بكل جزيء من جزيئات السكر قاعدة آزوتية إما من نوع البيورين أو البيرميدين ، والسكر الموجود بجزيء الحمض الرايبونيوكلتيدي (RNA) هو سكر الرايبوز بينما في جزيء الحمض الديؤكسي رايبونيوكلتيدي (DNA) فهو سكر الديؤكسي رايبوز .
للمزيد عن الأحماض الامينية إضغط هنا

إنتقال الصفات الوراثية:
تأتي الجينات مناصفة من الوالدين عند التلقيح الثنائي او من الام الثنائية الجنس عند التكاثر الاحادي كما عند دودة الارض حيث تقوم بتلقيح نفسها، او يتم تبادل الجينات بين انثيين كما عند الحلزونات او يتحول الفرد ليلعب دور الذكر مرة والانثى مرة اخرى كما عند بعض الاصداف البحريه. وبالتالي ليس كل الكائنات الحية "ازواجا" او نتاجا لتزاوج ثنائي بالضرورة، بالرغم من افضلية التزاوج الثنائي على حوض المورثات. ومن حيث ان نصف المورثات تأتي من الانثى والنصف الاخر من الذكر في التلاقح الثنائي، فأن صفات الوالدين تنتقل الى الجيل القادم. غير ان عدم قدرة بعض الصفات على الظهور من كلا الوالدين بوقت واحد كالون العينين مثلا، تصبح احدى الصفات مستترة بينما الاخرى التي تظهر نسميها الصفة الطاغية. غير ان ذلك لايعني ان الصفة المستترة قد اختفت، بل يحتفظ بها في حوض المورثات لتظهر في الجيل اللاحق، او تنضم الى حوض المورثات لفترة طويلة. تجارب ماندل هي التي وضحت لنا شكل انتقال الصفات الوراثي الطبيعي وترتيب ظهورها عبر الاجيال حسب المخطط التوضيحي التالي:

للمزيد عن انتقال الصفات إضغط هنا

الطفرات
الطفرة هي خطأ في نسخ المورثات عند ثيام الخلية بإعادة استنساخ نفسها. الطفرة قد تصبح خطأ ثابت يورث للاجيال الاخرى. كما نعلم فالمورثات هي عبارة عن شريط مزدوج طويل لمادة الـ DNA، والمعلومات الوراثية مشفرة فيه على شكل أزواج من جزيئات يطلق عليها اختصارا الأحرف: A, T, C, G . يحصل الكائن الحي ،عادة، على نصف شريطه من الام والنصف الاخر من الاب. واضافة لذلك هناك أيضا الـ RNA، حيث تختلف بنيته بعض الشيء، وإن كان مبدأ عمله مشابها، ومهمته نقل التشفير من نواة الخلية الى البلازما. تحدث الطفرة بشكل نادر جدا بالمقارنة مع عدد المرات لاعادة استنساخ الخلية لنفسها. غير ان تعدد عمليات الاستنساخ وتألف العملية الواحدة من عدة عمليات، يفتح المجال واسعا لوجود نسبة كافية من الخطأ.

الخطأ الوراثي "الطفرة" اغلبه ضار اما او محايد، غير ان الدراسات الاخيرة اظهرت ان 10% من الطفرات التي فصلتنا عن الجد المشترك، لازالت اثار مورثاتها المشتركة الاصلية موجودة. كما ان الجين البروتيني المسمى " ASPM" والمسؤول عن نمو الدماغ، لديه سرعة تتطور اكبر كما يملك طفرة ادت الى تغيير في بنيته. وهذا الموضوع سيعالج بصورة اكبر في قسم الهندسة الوراثية.

انواع الطفرات:
قسم الطفرات الى ثلاثة انواع رئيسية حسب مميزاتها العامة، وهي التالية:
1-point mutatio
وهي شكل من اشكال تغير احد الاحماض الامينية التي يدخل في مجموعة الكودون "انظر الى المثال والصورة ادناه، حيث توضح المقصود بالكودون. missense mutation" .

2-structural modifications:
خطأ في انتقال استنساخ جزء من الكرومسوم. انظر الى الصورتين ادناه والمثال المعروض في
Translocatioms
3- extra chromosomes:
وهنا يمكن ان يتشكل كرومسوم اضافي ليصبح مثلا على شاكلة XXY و او العكس اي ينقص كرومسوم.
انظر الصورة التوضيحية ادناه, لشرح الانواع الثلاثة.

وهنا سرد لبعض الامثلة عن الطفرات مما يدخل في الانواع الثلاثة اعلاه:

1- Missense mutations:
يحدث عند ظهور خطأ في نسخ احد الاحرف الامينية، مثلا نسخ تبديل الحرف A عوضا عن الحرف T كما تظهر الصورة. في الغلوموبين يتغير codon GAG ليحل مكانه GTG مما يعطينا الحمض الاميني valine عوضا عن glutamic. كما توضح الصورة التوضيحية ادناه.


EXAMPLE: sickle-cell disease The replacement of A by T at the 17th nucleotide of the gene for the beta chain of hemoglobin changes the codon GAG (for glutamic acid) to GTG (which encodes valine). Thus the 6th amino acid in the chain becomes valine instead of glutamic acid.
ANOTHER EXAMPLE: Patient A with cystic fibrosis (scroll down).

2- Nonsense mutations: في هذا النوع يحدث ان الحمض الاميني الداخل في الكودون الاول يؤدي الى تغيره وبالتالي نشوء احد كودونات االتوقف التالية: (TAG, TAA or TGA). لذلك فأن تشكيل هذه السلسلة تتوقف قبل اكتمالها، توقفا تاما. كلما كان الخطأ مبكرا كلما اصبح من الصعب على هذا المورث ان يكون له فعالية على تأدية وظائفه عند تمام التشكيل.

هذا المثال ادناه مأخوذ عن مريض cystic fibrosisو ويحوي اكثر من 1000 طفرة. للمزيد من المعلومات راجع الرابط رقم 1.


EXAMPLE: Patient B

Here is a sampling of the more than 1000 different mutations that have been found in patients with cystic fibrosis. Each of these mutations occurs in a huge gene that encodes a protein (of 1480 amino acids) called the cystic fibrosis transmembrane conductance regulator (CFTR). The protein is responsible for transporting chloride ions through the plasma membrane. The gene encompasses over 6000 nucleotides spread over 27 exons on chromosome 7. The numbers in the mutation column represent the number of the nucleotides affected. Defects in the protein cause the various symptoms of the disease. Unlike sickle-cell disease, then, no single mutation is responsible for all cases of cystic fibrosis. People with cystic fibrosis inherit two mutant genes, but the mutations need not be the same.

In one patient with cystic fibrosis (Patient B), the substitution of a T for a C at nucleotide 1609 converted a glutamine codon (CAG) to a STOP codon (TAG). The protein produced by this patient had only the first 493 amino acids of the normal chain of 1480 and could not function

3- Silent mutations
هذه الطفرة تسمى بالطفرة الصامتة لانها لاتلاحظ اثارها . مثلا اذا تغير احد الاحماض الامينية في الكودون الى حمض مماثل لاحد الحمضين الاخرين، يمكن ان لايؤدي ذلك الى تغيير يذكر. اي المنتوج لايتغير، وبالتالي لايمكن اكتشاف الطفرة التي حدثت، من الظاهر بدون متابعة التسلسل الحامضي.
4- Splice-site mutations
تحدث عند عملية تشكيل ناقل الكود الذي يرسل من النواة الى البلازما.،
RNA Processing: pre-mRNA → mRNA
حيث يعطي الحامل اشارات الى الانزيمات. اذا لم يصدر احد هذه الاشارات، المقطع المنقول لايتم نقله. هذا يترجم من الخلية على ان الناقل الذيلم يذهب بحمولته هو بكامله جزء من الناقل.
هذا النوع يشير الى ان الطفرة يمكن ان تحدث في عملية ماقبل استنساخ المورث نفسه.
5- Insertions and Deletions (Indels)
الاضافة والازالة بفضل قاعدة ثلاثية اضافية "كودون" قادمة من مورثات النواة. التغير في الترتيب الحمضي يمكن ان يشمل اعداد من الواحد وحتى آلاف. عند التغيير الجماعي يسمى هذا النوع من الطفرات بطفرة الازالة.

Indels involving one or two base pairs (or multiples thereof) can have devastating consequences to the gene because translation of the gene is "frameshifted". This figure shows how by shifting the reading frame one nucleotide to the right, the same sequence of nucleotides encodes a different sequence of amino acids. The mRNA is translated in new groups of three nucleotides and the protein specified by these new codons will be worthless. Scroll up to see two other examples (Patients C and D).



Frameshifts often create new STOP codons and thus generate nonsense mutations. Perhaps that is just as well as the protein would probably be too garbled anyway to be useful to the cell.
Indels of three nucleotides or multiples of three may be less serious because they preserve the reading frame (see Patient E above).
However, a number of inherited human disorders are caused by the insertion of many copies of the same triplet of nucleotides. Huntington's disease and the fragile X syndrome are examples of such trinucleotide repeat diseases.

6- Fragile X Syndrome
Several disorders in humans are caused by the inheritance of genes that have undergone insertions of a stretch of identical codons repeated over and over. A locus on the human X chromosome contains such a stretch of nucleotides in which the triplet CGG is repeated (CGGCGGCGGCGG, etc.). The number of CGGs may be as few as 5 or as many as 50 without causing a harmful phenotype (these repeated nucleotides are in a noncoding region of the gene). Even 100 repeats usually cause no harm. However, these longer repeats have a tendency to grow longer still from one generation to the next (to as many as 4000 repeats).

This causes a constriction in the X chromosome, which makes it quite fragile. Males who inherit such a chromosome (only from their mothers, of course) show a number of harmful phenotypic effects including mental retardation. Females who inherit a fragile X (also from their mothers; males with the syndrome seldom become fathers) are only mildly affected.



This image shows the pattern of inheritance of the fragile X syndrome in one family. The number of times that the trinucleotide CGG is repeated is given under the symbols. The gene is on the X chromosome, so women (circles) have two copies of it; men (squares) have only one. People with a gene containing 80–90 repeats are normal (light red), but this gene is unstable, and the number of repeats can increase into the hundreds in their offspring. Males who inherit such an enlarged gene suffer from the syndrome (solid red squares). (Data from C. T. Caskey, et al.).

7- Huntington's Disease
In this disorder, the repeated trinucleotide is CAG, which adds a string of glutamines (Gln) to the encoded protein (called huntingtin). The abnormal protein increases the level of the p53 protein in brain cells causing their death by apoptosis.

8- Duplications


التضاعف هي طفرة تحصل من خلال تكرر استنساخ احد فقرات المورث. يحصل خلال الانقسام الميزوزي، إذ يتشكل مورث مماثل في الخط المجاور لخطه الموروثي نفسه. ليعطي جينا مماثلا، كماتظهر الصورة التوضيحية المأخوذة من حالة هرمون : aldosterone..
المهم ان هذا المورث الجديد لايتشكل من سبعة احماض وانما من خمسة فقط ويتكون هذه الطفرة متسية بحيث ان جميع من يحمل هذا الموروث خلال اربع اجيال يصاب بضغط الدم، ممايعرض الفرد للموت بالجلطة الدموية.

هذه الطفرة تتميز بميزات خاصة قد تكون مفيدة ومنها:
1- عبر الزمن يمكن ان تكون واحدة من هذه الطفرات اساس لظهور وظيفة جديدة مميزة وبالتالي اساس للانتخاب الطبيعي.
2- حتى عندما يبقى مورثين متوازيين متساوين في التتالي والوظيفة، فأن ذلك يبقى مستودعا احتياطي للتغييرات. هذا يوضح مبدئ المورث السائد والمورث المسود، حيث المسود يكون على المورث الموازي.
3- بعد طفرة استساخية، نرى ان وبعد زمن من الاجيال يتشكل احد الامرين:
ظاهرة في مجموعة الاحفاد
اختلاف عن بقية المجموعة الاصلية التي انفصلت عنها
تتميز بقدرتها على خلق حاجز بيلوجي بين المجموعة الاصلية، مما يعني ظهور فصيلة جديدة غير قادرة على التزاوج مع الاصل.

Translocations


طفرة من خلال تبادل المواضع لقسم من المورثات. هذا التبادل يحدث بين مورثتين مختلفتين ولاعلاقة لهم ببعضهم البعض في الاصل.
طفرة تبادل المواضع تؤدي الى التالي:
1- قد يؤدي الى فقدان وظيفة احد المورثين.
2- الانتقال يمكن ان يكون حدث بسبب تأثير مؤثرات خارجية او جانبية. مثال على ذلك: Burkitt's lymphoma
3- النقطة المقطوعة يمكن ان تشكل مورث هجين، حيث ترتبط مع رابط من نوع سي الى رابط من نوع ن. مثال على ذلك : chronic myelogenous leukemia (CML).

إحتمالات حدوث الطفرة وضرورتها:
الطفرة يجب ان تحدث في المادة الوراثية المشاركة بالعملية الجنسية للتكاثر، حتى يمكنها الانتقال الى الاجيال اللاحقة والبقاء في الحوض الوراثي. وعلى عكس الانتخاب الطبيعي، الذي يقلل كمية التنوع في الحوض الوراثي. نرى الطفرات تزيد التنوع عبر إدخال مورثات جديدة إلى الحوض الوراثي.

عملية نسخ الـ DNA عالية الدقة، والأخطاء في النسخ تتراوح بين خطأ واحد من مليار، حتى واحد من بليون حرف. غير ان احتمال اصابة الجين بالطفرة لايزيد عن 1/100000 الى 1000000. ومن حيث ان الانسان يملك 30000 جين، فمن المتوقع ان تصاب ستة جينات على الاقل بطفرة واحدة لكل منها، مما يجعل الطفرة ظاهرة طبيعية شائعة. انظر المصدر رقم 2.

حسب ما نعرف اليوم فأجزاء كبيرة من شريط الـ DNA "عاطلة" وراثيا، أي أنها تنسخ من جيل لآخر، ولكنها ليست "فعالة"، أي لا يتم تركيب البروتينات بناء على معلوماتها، وبالتالي لا تدخل في تحديد صفات الكائن الحي.
جزء كبير من الطفرات يحصل في الأجزاء العاطلة من المادة الوراثية التي لا تحتوي على مورثات فعالة. ولذلك تعتبر معظم الطفرات "محايدة" بالنسبة للانتخاب الطبيعي. أي أنها لا تزيد فرص حياة الكائن ولا تنقصها.
عدد الطفرات هو المحدد الأساسي لسرعة التطور، لأن الطفرات هي ما يدخل التنوع إلى الحوض الوراثي. ولكن على المدى القصير، يمكن للحوض الوراثي أن يتطور بسرعة نسبيا من الطفرات "المخزنة" في المادة الوراثية العاطلة. ولكن طريق الطفرة حتى تصبح ميزة تجاه الانتخاب الطبيعي لا يزال طويلا.

- كما قلنا الكثير من الطفرات تصب في الأجزاء العاطلة من المادة الوراثية

- في الكائنات التي تتكاثر عن طريق التزاوج، يأتي نصف المادة الوراثية من أحد الزوجين، وبالتالي فقد تبقى الطفرة في الجزء الذي لم يستخدم

- الكثير من الصفات الوراثية يتكون من زوج من الصفات، واحدة مسيطرة والأخرى ضعيفة، وكثيرا ما تكون الطفرة في الصفة الضعيفة. وبالتالي لا تتفعل الطفرة في حياة الكائن الحي في هذا الجيل. وتبقى الطفرة كامنة حتى يصبح هناك عدد كاف من الأفراد يحملون الصفة الضعيفة قبل أن يتشكل أفراد يحملون الطفرة بشكل مضاعف.

- معظم الطفرات التي تظهر بشكل مورثات فعالة تؤدي إلى حصول أخطاء في عمل المادة الوراثية (أمراض أو تشوهات وراثية)، وبالتالي فالأفراد الذين يحملون هذه الصفات تتم تصفيتهم عبر الانتخاب الطبيعي، فيموتون في عمر مبكر دون أن يورثوا الطفرة للأجيال القادمة.

اسباب الطفرات:
هناك عدة اسباب لنشوء الخطأ، اهمها خطأ بسبب النقل من النواة الى الناقل RNA او من الناقل الى البلازما. كما يمكن ان ينشئ الخطأ في عملية انقسام الخلية بسبب التأثر بالمواد الكيماوية او الاشعاعية او بسبب فيروس. في الكائنات المتعددة الخلايا يمكن للطفرة ان تحدث عند استنساخ احد الخلايا المتعددة، مما يعني ان كثرة الخلايا تزيد من فرصة الاصابة بالطفرة. الامر الذي من الممكن ان يؤثر على احد الوظائف للكائن، ليؤدي الى المرض او الموت او افضلية او لاشئ على الاطلاق، ولكنها على كل الاحوال تنضم الى حوض التغييرات الوراثية الكامنة اي الحيادية. الطفرات الحيادية جزء من نظرية Punctuated equilibria التي عوضت عن خطأ في نظرية داروين والتي يمكن اختصارها محتواها بالعرض التالي:

"Large, stable central populations exert a strong homogenizing influence [on the gene pool]. New and favorable mutations are diluted by the sheer bulk of the population through which they must spread....But [in] small, peripherally isolated groups [that] are cut off from their parental stock ... selective pressures are usually intense because peripheries mark the edge of ecological tolerance for ancestral forms. Favorable variations spread quickly...

"What should the fossil record include if most evolution occurs by speciation in peripheral isolates? ... In any local area inhabited by ancestors, a descendant species should appear suddenly by migration from a peripheral region in which it evolved. In the peripheral region itself, we might find direct evidence of speciation, but such good fortune would be rare indeed because the event occurs so rapidly in such a small population."
الطفرات التي حفظت في حوض الطفرات الكامنة قد تستخدم في المستقبل عند حدوث تغيرات تضع الكيان الحي امام اختبار القدرة على المقاومة من اجل البقاء. وعلى عكس الانتخاب الطبيعي، الذي يقلل كمية التنوع في الحوض الوراثي. نرى الطفرات تزيد التنوع عبر إدخال مورثات جديدة إلى الحوض الوراثي.
المزيد من التفاصيل عن الطفرة :إضغط هنا

المزيد من المصادر:
ons.html
synth_4.htm
Chapter_21

بقلم طريف سردست

الجزء الثاني: من اين جاءت المورثات؟

الرحلة التاريخية للمورثات الانسانية


يحتوي الانسان على 80 -120 الف جين، ولكن 10 % فقط ذات فعالية، اما البقية فتشكل جينات لم تعد في التشغيل او دعم لحوض الجينات او جينات اصيبت بطفرةادت الى تحييدها. وبالطبع تبقى هذه الجينات رصيدا للمستقبل كما يمكن استخدامها لمعرفة تاريخ الطفرة والعلاقة بين النوع.

الى ماقبل بضعة سنوات ، اعتقد العلماء ان الانسان يملك مابين 80000 و 120000 جين في مورثاته. غير ان برنامج ، حيث يعمل اكثر من الف عالم من مختلف انحاء العالم، لدراسة جينات الانسان، اكتشف اننا نملك مابين 300000 و 400000، اي اقل بكثير عن التوقعات السابقة.

لقد ظهر ان 91% من المورثات تشكل كتلة لا استعمال لها تدعى junk - DNA هذه الكمية الغير مستعملة تتألف من بقايا اجزاء مورثات ذات اصل فيروسي او جينات فيروسية كاملة اي ان مورثاتنا الخاصة بنا والتي تحتوي على الجزء البشري لايتجاوز
نسبته 1,5% من ما تمت دراسته، البقية تتكون من ايندوجين ريتروفيروس ويشكل8% وهو الفيروس المتلائم، و ريتروترانس بوسونير ويشكل 33% وهي الاجزاء القادمة من فيروس، وهي تستنسخ من ضمن العملية الطبيعية لاستنساخ الجينات الانسانية التي تحدث باستمرار، إلا انها تظهر في اماكن متغيرة. كلا مجموعتي المورثات الاخيرتين لهم مصدر فيروسي، يشابه الايدز. هذه الفيروسات تمكنت عبر زمن طويل من زرع مورثاتها في اجسام اجدادنا، لتتجدد معهم عبر التاريخ. الباقي من المورثات وتشكل حوالي 57,5% لم يجري دراستها بعد.


هذه المورثات منذ قدومهم الى اجسامنا فقدوا الكثير من خصائصهم القديمة. مثلا لم يعد لديها القدرة على نشر العدوى او التكاثر بالعدوى.

هذه الفيروسات الانسانية، نادرا ماتكون في حالة تجعلها تؤدي كامل وظائفها، غير ان وظيفة الاشارة الانذارية في (د ن ا ) ماتزال غالبا فعالة. هذه الاشارات هي السبب التي جعلت الجسم المضيف (الانسان) يعيد انتاج المورثات الفيروسية الغريبة. اليوم اصبح لهذه الاشارات وظيفة اخرى. مثلااحداها تحفيز تنشيط انتاج مادة الاميلاسير في غدد اللعاب.

المورثات الفيروسية او ذات الاصل الفيروسي عددها اكبر من الفيروسات الانسانية بخمس مرات. وقد وجد العلماء ان الجينات الدخيلة، تم "تأهيلها" لتتلائم مع حاجات وظائف الجسم البشري، لتؤدي وظائف مفيدة. اذ اكتشف مالايقل عن العشرين عملية، حيث المورثات الفيروسية تملك تأثير مباشر على عملية التبادل الحيوي وحيث العوامل الفيروسية المنشأ تسيطر تماما على خطوات هامة في عملية الانقسام الخلوي. ايندوجينريتروفيروس لايساعد فقط على اقسام الخلية، بل ان بروتين الفيروس يقوم بوظيفة حماية الجنين من الدفاع الوقائي للام، ويساعد على تكوين وظائف الرحم.

وبالرغم ان الجسم استطاع استيعابهم بوظائفه الحيوية، إلا ان ذلك لم يتم تماما. احدى الابحاث تشير الى ان قسم معين من ايندوجينريتروفيروس، يكون في حالة نشاط عالية عند ثلث البشر من جميع الذي يعانوا من الشيزوفريني (فقدان الذاكرة البطئ عند الكبار). في دراسة اخرى، يتعالج العلماء العلاقة بين هذه المورثات الفيروسية والسرطان.

ريتروترانس باسونير الذي يشكل 1/3 من حجم المورثات، هو بقايا مورثات مختلف القيروسات، عبر زمن طويل. استطاع العلماء تقسيمهم الى مجموعتين. هذه البقايا الجينية تقوم بمايشبه وظيفة التهديم والتهديد. الجسم يقوم بعمل كل مايلزم من اجل الدفاع ضد تأثيرهم. غير ان هذا ليس دائما فعالا. احيانا يتمكن مورث من النفوذ، لينشر نفسه. التجارب تشير الى ان اختراق هذا المورث لدفاعات الجسم هو الذي يؤدي الى تنشيط الامراض الوراثية، مثل مرض السكري، السمنة، والسرطان.

ريتروترانس باسونير يستطيع التأثير على عشرات الاف الجينات، وبالتالي لديه الكثير من الاحتمالات الممكنة للتأثير على الخلية. يوجد مايشير الى انهم يقومون بتنشيط جينات سرطانية خاصة، و يعيقون قدرة الدم على وقف النزيف.

غير انهم ليسوا مصدرا للشر فقط، اذ ان دراسات ابتدائية تشير الى علاقتهم بتنشيط مكونات الاحساس في الجلد، عند التعرض للحرارة او السم او التلوث الجرثومي. ايضا ينشطون الانزيمات التي تقوم بتصليح الخلايا، اضافة الى انهم مخزون فيما يسمى الحوض الوراثي، يمكن العودة اليه لتحسين الكود الوراثي..

ايندوجين ريتروفيروس التي اصبحت جزء من المورث الانساني، تمكن العلماء من ايجاد مثيلاتها عند الحيوانات التي انتقلت اليهم منذ 70 مليون عاما مضت. الامر الذي يؤكد الاصل المشترك لكلا الطرفين. ومن المثير ان احد المقارانات التي جرت بين "المخلفات" الوراثية عند الانسان بما يقابلها عند الفئران، كشفت 90 قسم من (د.ن.ا) الذي لم يتغير منذ انفصال خط تطور الانسان الحالي عن الجد المشترك مع الفئران، قبل 70 مليون سنة. ثبات هذه المورثات اثار شكوك العلماء،اذ لابد ان ذلك بسبب هام، الامر الذي يدل على انهم يشاركون بوظيفة نشطة فعالة وهامة ادت للمحافظة عليهم. عند فحص هؤلاء المورثات ظهر انهم يتتضمنون وظيفة غير معروفة سابقا وهي السيطرة على عملية خلق ثلاث هرمونات معينة في نظام الوقاية الحيوية.



واليوم نعلم ان هذه الكمية الضئيلة من المورثات (1,5%) هي التي ميزت الانسان عن القرد، اذ ان كمية المورثات عند الانسان المختلفة عن مورثات القرد لاتزيد عن 1,5%، وفي الوقت التي لاتكفي هذه النسبة لبناء انسان مستقل، تكفي لتمييزه كجنس عن بقية الكائنات. اي ان الانسان ليس نتيجة مورثاته فحسب، بل حصيلة باقة من المورثات تنتمي للكثير من الكائنات الاخرى.

ايريك لاندير المسؤول عن اكبر مركز ابحاث للجينات في معهد وايتهيد في الولايات المتحدة،يقول: الانسان ممتلئ بزبالة من المورثات، غير ان هذه الزبالة ممتلئة بالكثير من التاريخ الذي ستقوله لنا.

مصادر البحث:
Comparison of human
GRID-ing for
Illustrerad vetenskap 2/2002 s.60

بقلم طريف سردست

الجزء الثالث : الاصول المشتركة للبشرية وهجرة الانسان

عن طريق الدراسة الجينية، تمكن العلماء من الوصول الى اصل البشر. وحسب هذه الدراسة يعود البشر الى اصل واحد، وبالضبط الى 18 مجموعة وراثية نسائية وعشرة مجموعات وراثية رجالية، اعتمادا على تحليل الميتاكوندري والكرومسوم الذكري. هذه المجموعة الاصلية غادرت شرق افريقيا قبل 60000 عام.

مجموعة باحثين من جامعة ايموري الطبية، بقيادة دوغلاس س والاس، من ولاية اتلانتا في الولايات المتحدة، هي التي توصلت الى الاكتشاف، من خلال دراسة الكود الوراثي العائد للميتاكوندري في الخلية عند المرأة والصبغية الذكرية عند الرجل. غير ان نتائج عديدة اكثر جدة اودقة اثبتتها، خصوصا من الباحث سايكس بريان.

يستمر حاليا عشرة مراكز ابحاث متوزعة على مختلف انحاء العالم وتحت قيادة سبنسر ويلس (Spencer Wells) بتحديد الطبعة الجينية للشعوب المحلية ومقارنتها مع الشعوب الاخرى. ويجري العمل بسرعة في سباق مع الزمن قبل ان تختلط الصفات الجينية وتفقد الشعوب خواصها المميزة بالاختلاط المتزايد. هذه الابحاث تهدف لوضع خريطة كاملة لهجرة الشعوب على مر التاريخ.



مورثاتنا موجودة على 22 زوج من الجينات إضافة الى زوج جيني جنسي. الصبغيات تتبادل اماكنها باستمرار عند عملية التناسخ، وبالتالي يصعب مع الزمن معرفة اصولهم وامكنة قدومهم الاصلية. الامر الذي يصعب عملية إقتفاء اثارهم في الزمن الماضي. من حسن الحظ Y-kromosom and Mitokondrie لايتصرفون بنفس الطريقة. انهم يتوارثون جيلا عن اخر بدون تغير في تركيبتهم . عند ظهور تغيرات وراثية فيهم تصبح علامات تشير الى احداث تاريخية من الطفرة التي عمت المجموعة المنعزلة، وبالتالي تكشف طريق ترحال الاجداد.

الميتاكوندري يحوي الكود الوراثي الذي ينتقل من الام الى الطفل، بدون تغييرات. اي لا يختلط مع المورثات القادمة من الرجل كما يحصل لبقية المورثات الاخرى القابعة على الازواج الجينية التي تتبادل مواقعها.


وباعتبار ان الميتاكوندري تقريبا لايتغيير، لذلك من المفترض ان جميعا لدينا تركيبة وراثية واحدة له. غير انه خلال عمليات الاستنساخ للميتاكوندري يحدث عبر السنين وبفترات مختلفة اخطاء استنساخية ، تسمى الطفرة. بالدراسة توصل العلماء الى مايسمى عامل الطفرة، مما ساعد على دراسة المراحل الزمنية والمكانية لتنقل العرق البشري.. اي ان الطفرات استغلت لمعرفة خط سير الاصول الاثنية وتنقلها، ليصبح الميتاكوندري كالساعة الزمنية.

هؤلاء الاصول الوراثية النسائية الثمانية عشر حصلوا على رموز حرفية للدلالة على كل واحدة منهم هي الاحرف المصغرة : A,B,C,D,F,G-H,I,J,K,T,U,V,W,X

99% من سكان اوروبا اليوم ينتمون الى تسعة اصول نسائية هم الاحرف التسعة الاخيرة، في حين ينتمي الاسيوين الى البقية بالاضافة الى الحرف اكس.



كرومسوم الذكري هو الذي ساعد العلماء على تعيين اصول الرجال العشرة وانتشارهم. وايضا من خلال وضع خريطة للطفرة على الخريطة الوراثية للكرومسوم المذكر. غير ان المورث الذكري اعطي رمز رقمي.

العالم بيتر اونديرهيل وبيتر اويفنر من جامعة ستانفورد في الولايات المتحدة اكتشفوا عشرة اصول. منهم الرقم 1و2و3 موجودين تقريبا فقط في افريقيا. غير ان رقم 3 غادر احفاده افريقيا وله سبعة احفاد "وراثية" على قيد الحياة.

مستحاثات Homo Sapiens الموجودة ترجع الى 200000 عام مضت، غير ات طرأت عليه تغييرات قبل 60000 عام جعله اكثر ذكاء. هذا التحول لم يكتشف في المورثات ولكن في الوسائل التي بدأ يستعمله منذ ذلك العهد والتي اصبحت فجاءة اكثر دقة وتتطور، الامر الذي يشير الى تحسن عقلي. المعطيات الجينية تشير الى ان اجدادنا كانوا في احد المراحل قريبين جدا الى الانقراض إذ وصل اعدادهم الى 2000 فردا فقط، ومنها خرج الانسان الى العالم.

البحث على المورثات توصل الى ان الانسان الحديث انتقل الى اسيا لاول مرة قبل 73000-56000 سنة. قبل حوالي 51-39 الف عام انتقل الانسان الى اوروبا وقبل حوالي 12-15 الف سنة انتقل الانسان الى امريكا.

خارطة تنقل الجينات الانساني، و يقصد بتعبير ادم وحواء المجموعة الاولى من الرجال والنساء.

العالم والاس ومجموعته من الباحثين توصلوا الى المجموعتين الاصليتين "الام" للبشر والتي اطلق عليها اصطلاحا تعبير فاسيكيلا الملكية في شمال غرب صحراء كالاهاري الافريقية وبياكابيكمييرنا في افريقيا الوسطى . هؤلاء يملكون اكثر انواع الميتاكوندري تمييزا، الامر الذي يشير الى انهم ابدا لم يغادروا موطن اقامتهم، انهم الابناء الاصليين للمجموعات الوراثية الاصلية لنشوئنا والتي اطلق عليها مازحا ادم وحواء.

لاتزال الكثير من الاسئلة غامضة وتجري الابحاث لكشفها، مثل : كم عدد الهجرات الاولى التي وصلت الى امريكا، وماهي الطرق التي اتبعها الاجداد في هجرتهم. المشروع يطمح ايضا الى الاجابة على اسئلة مثل: لماذا تغيرت اشكال الانسان وتمايزت، وكيف ظهرت اللغات، ومالذي حصل لانسان النيندرتال الذي استطاع الوصول الى اوروبا والاقامة بها قبل مابين الثلاثين الى الاربعين الف عام. اين اختفت مورثاته؟

السؤال الذي لازال يحير العلماء هو انه قبل 11000 عام اكتشف الانسان في حوض الفرات الزراعة ومن ثم وصلت الزراعة واللغة الهندواوروبية الى اوروبا، هل انتشرت الثقافة ام الانسان؟ بمعنى هل جاء الانسان المزارع واقصى الانسان الصياد وحل محله ام ان ثقافة انسان الرافدين وصلت وتقبلها الانسان المحلي الصياد، الذي قبل 30000 عام استطاع طرد انسان النيونيندرتال؟

من المثير ان العلماء اكتشفوا ان الاسكندنافيين الذين انتقلوا الى جزيرة ايسلند لم يأخذوا معهم نسائهم من اسكندنافيا وانما اختطفوا او تزوجوا نساء من بريطانيا ونقلوهم معهم الى ايسلندا.

صورة توضح انتقال الصفات عبر الميتاكوندري والكرومسوم عبر الاجيال، الخط الامومي والابوي

واحب ان اشير الى ان بالرغم من ان والاس دوغلاس كان من الرواد الاوائل، حيث بدء ابحاثه عام 1970، فقد ظهر بعده الكثيرين من الذين ساروا على نهجه مثل البرتوا بيازا، والتر بودمر، آلان ويلسون. وبعد وفاة دوغلاس والاس استمر تلاميذه من امثال: سفانت بآبو، مارك ستونكج، ربيكا كان، واخرين استفادوا للغاية من اكتشاف PCR الذي تم عام 1983، مما ادى الى تحسين دقة النتائج، حيث ان نتائج الباحثين الاوائل لاتكون عادة بالدقة الكافية وهذا من سلبيات الريادة. وادق النتائج حتى اليوم جاءت من سايكس بريان. وكتاب الاخير المسمى " البنات السبع لحواء" يعبر افضل المصادر اليوم بالرغم من ان البعض قد يعتقد ان المقصود بالبنات السبعة لحواء وكأنه هناك حواء اصلا، وهذا غير صحي، إذ لاتوجد حواء ولابناتها وانما مجموعات وراثية اطلقت عليها الاحرف الاولى التي ذكرت اعلاه او اسماء تبدأ بالاحرف اعلاه، مثل: اورسولا ، اكزيناو، فيلداو، الخ. وبالرغم من وجود تسعة مجموعات وراثية، إلا ان الاوروبيين ينتمون الى سبعة اصول وراثية فقط. ويملك سايكس موقع على الانترنيت باسم : Oxford ancestors لبيع Kit لمن يرغب من اجل الوصول الى الاصل الوراثي المرتبط بالاصول الاصلية.

مصادر للمزيد من الاطلاع:

The Human Family Tree: 10 Adams and 18 Eves
Illustrerad Vetenskap nr 17/2005, 6/1998 s.26

بقلم حمدي الراشدي

الجزء الرابع : الهندسة الوراثية

الجينات التى تنقل الرسالة الوراثية من جيل لآخر، وتوجه نشاط كل خلية هى عبارة عن جزيئات عملاقة تكون ما يشبه الخيوط الرفيعة المجدولة تسمى الحمض النووى الريبوزى المختزل DNA، وتحتوى هذه الرسالة الوراثية على كل الصفات الوراثية بداية من لون العينين حتى أدق التركيبات الموجودة بالجسم. وتترتب الجينات فى خلايا الإنسان على 23 زوجًا من الكروموسومات فى نواة الخلية، والكروموسومات مركبة من الحمض النووى وبروتينات، وهذه البروتينات تلعب دوراً هاماً فى المحافظة على هيكل المادة الوراثية، وتنظم نشاط تعبير الجينات الذى يؤدى إلى تكشف وتكوين الفرد الكامل من خلية الزيجوت. وتوجد بعض الجينات فى الميتوكوندريا، وتورث عن طريق الأم. وتكمن المعلومات الوراثية لأية خلية من تتابع الشفرة الوراثية



تتابع القواعد النيتروجينية الأربع وهى: الأدينين ( A ) والجوانين ( G ) والسيتوزين ( C ) والثيامين ( T )، التى تكون المادة الوراثية لتشكل الكلمة السرية لاعادة البناء.

حديثاً تمكّن إليك جيفرس فى جامعة لستر بالمملكة المتحدة من اكتشاف اختلافات فى تتابع الشفرة الوراثية فى منطقة الأنترون Intron متمثلة فى الطول والموقع. وقد وجد أن هذه الاختلافات ينفرد بها كل شخص تماماً مثل بصمة الإصبع -لذلك أطلق عليها بصمة الجينات- باستثناء نوع نادر من التوائم المتطابقة الناشئة عن انقسام بويضة مخصبة واحدة MZT. وبحساب نسبة التمييز بين الأشخاص باستخدام بصمة الجينات وجد أن هذه النسبة تصل إلى حوالى 1 : 300 مليون أى أن من بين 300 مليون شخص يوجد شخص واحد فقط يحمل نفس بصمة الجينات. وقد وجد -أيضاً- أن بصمة الجينات تورث طبقاً لقوانين مندل الوراثية.
بصمة الجينات هى اختلافات فى التركيب الوراثى لمنطقة الإنترون، وينفرد بها كل شخص تماماً وتُوَرَّث؛ أى أن الطفل يحصل على نصف هذه الاختلافات من الأم وعلى النصف الآخر من الأب، ليكون مزيجاً وراثيًا جديدًا يجمع بين خصائص الوالدين، وخصائص مستودع وراثي متسع من قدامى الأسلاف. ولقد وُجد -أيضاً- أن بصمة الجينات تختلف باختلاف الأنماط الجغرافية للجينات فى شعوب العالم. فعلى سبيل المثال يختلف الآسيويون (الجنس الأصفر أو المغولى) عن الأفارقة، وبالرغم ذلك يجب التذكر الخواص الاستثنائية للمورثات الجنسية المرتبطة بالميتاكوندري والصبغية X.


الطفرات المفيدة بالنسبة للانتخاب الطبيعي، لن تحصل بالتوقيت المناسب للبعوض لينجو من المبيدات الحشرية، حسب المثال السابق. ولكن كانت هناك طفرات سابقة أدت إلى وجود أفراد بين البعوض ذوي مناعات مختلفة. وعندما يتم استخدام المبيد يموت الأفراد الذين ليست لديهم مناعة. بينما يعيش ويزدهر الأفراد القليلون أصحاب المناعة ليورثوا مناعتهم للأجيال القادمة.

كما أسلفت فالذي يتطور هو المجموعة السكانية، عبر تغير المورثات في حوض المورثات.
بينما الأفراد هم "وحدة" الاختيار الطبيعي.كما رأينا في مثال العت، فهناك تنوع في السمات الموجودة في حوض المورثات. أي أن بعض البكتريا أو الحشرات لديها مناعة ضد المبيد المستخدم، ولكن نسبة هذه الأفراد قليلة في المجموعة السكانية.ثم نستخدم المبيد. أي نطبق الاختيار الـ(لا)طبيعي. فنقتل الأفراد الذين ليست لديهم المناعة. فيبقى هؤلاء أصحاب المناعة ليتكاثروا. وفي الجيل القادم، نرى معظم أفراده حاصلين على مناعة. وهذه ورثوها من أهلهم الذين نجوا من "الهولوكوست". واستخدام "كوكتيل" من المبيدات هو بقصد عدم ترك أي فرد ذي مناعة ليتكاثر.

ولكن نقص عدد المنافسين على الغذاء هو سبب مهم جدا لتكاثر النوع الذي لم تتم تصفيته بالانتخاب الطبيعي. من المهم توضيح سوء الفهم الدارج لمفهوم "صراع البقاء" أو "بقاء الأقوى". فالصراع قد يكون بسيطا جدا، ولا يرتبط باراقة الدماء التي تخطر عادة عند ذكر هذا المفهوم. فكل كائن حي يؤثر في بيئته ويغيرها. وفي كل الحالات هو يأخذ مواد غذائية (كان يمكن لغيره أن يستخدمها، أو هي عبارة عن كائنات حية أخرى)، ويبث فضلات (قد تزعج غيره أو تفيده في بعض الحالات). وهذه العملية الأساسية للتغذية والاستقلاب، هي أساس ذلك "الصراع".

ملاحظة:
المورثة تحمل صفتين من الزوجين, قد يجتاج ظهور صفة الى وجود الصفتين معا مثلا اكس اكس في حال انثى و اكس واي في حال ذكر علما ان واي هي الاضعف, اما في حالة قوية و ضعيفة فحسب المبدا الذي يعتمد على ماندل (رغم احتجاجي على بساطته) هذه الصفات ستكون موجودة في مجموع المورثات و لن تظهر الا في حال كان التزاوج 1- من شخصين يحملان كلاهما ظاهريا صفة المورثة القوية --> النسبة للصفة الظاهرية الضعيفة في الابناء هي 25%

2- احدهما فقط يحمل الصفة الضعيفة فلن تظهر اطلاقا في اي من الابناء. طبعا الامور ستتعقد اكثر عندما تكون الصفة الظاهرية تحتاج لمجموعة اكثر من مورثة واحدة.

ختفاء الصفة الظاهرية (لون العيون الفاتح مثلا) لعدة اجيال و ظهوره في احد الابناء لم يكن مفهوما قبل اكتشاف قوانين الوراثة. مثال للطفرة:

لون الشعر الاحمر, هو طفرة دائما. و لا يورث. (يفسره البعض بان الجماع تم وقت الحيض. طبعا لم تكن قوانين الوراثة معروفة وقتها: الحيض احمر--> الشعر احمر)

مثال اخر:
الداء السكري الشبابي, فهو طفرة و لا يورث. بينما الداء السكري الكهلي يورث (مرتبط بنمط صبغي-نسيجي). و لعل كون السكري الشبابي مهدد للحياة (قبل اكتشاف الانسولين) يجعل هذه الطفرة ممنوعة من الاستمرار للاجيال القادمة.

طبعا الفرق سيكون واضحا اكثر في حال المنغولية (تثلث الصبغي 21) و قبل اكتشاف قوانين الوراثة و دراسة هذا التشوه, كان الاجراء المتبع هو خصاء المنغوليين لمنعهم من الانجاب حيث كانت نظرة المجتمع اليهم انهم عقاب الهي و وحوش. و لكن من صفات المنغولية العقم. لا يوجد نطاف.. والامراض الوراثية باكملها ناتجة عن الطفرة، كما ان علم الهندسة الوراثية قائم على استغلال إظاهرة الطفرة ذاتها.

التباين الوراثي الكافي ضرورة لاستمرار النوع

مدى التباين الوراثي (1) أو مدى الاختلاف الموجود بين أفراد المجموعة يقرر مدى قدرة المجموعة على البقاء وتختلف الحاجة الى التباين الوراثي من مجموعة الى اخرى، ورغم ذلك فأن هناك حد ادنى لايمكن تخطيه، فهل اسطورة آدم وحواء يمكنها ان تفي بالمطلوب من اجل إستمرار النوع الانساني؟

فلنفترض أن التباين كان في أقصى مدى له ، بمعنى أن آدم لا يحمل جين إلا وحواء تحمل الآليل (2)المقابل له. بل أكثر من هذا فلنفترض أن أدم نفسه كان heterozygous (3) بالنسبة لجميع الجينات وكذلك حواء وهذا هو أقصى درجة من التباين الممكن تواجدها في هذه النواة البشرية المكونة من شخصين. وبالرغم من هذه النظرة المتفائلة للغاية تظل المشكلة قائمة فالعشيرة تأخذ قيمتها من ناحيتين، العدد ثم التركيب، والعدد هو 2 في حالتنا هذه والتركيب فقط 4 آليلات (أو 4 بدائل وراثية) للموقع الواحد.
وهذا الوضع من وجهة نظر وراثة العشائر(4) كارثة بكل معنى الكلمة، ولا مفر من زيادة معدل التربية الداخلية زيادة مرعبة مع تزاوج أول جيل. فصغر حجم العشيرة في حد ذاته يشير إلى أن نسبة القرابة بين الأفراد ستزداد بالتدريج حتى تقضي على العشيرة تماماً. أن تأثير زواج الأقارب أولاد العم أو الخال ...الخ (ولا أقول الأخوة!) معروف وأشهر من أن يذكر.
وفي حين يختلف تأثير تزاوج الأخوة من نوع إلى آخر، فمثلاُ تزاوج الأخوة والأخوات في عشيرة مكونه من 150 زوج من طيور السمان (5) كافي للقضاء عليها تماماً بعد الجيل الثالث حيث تنخفض نسبة الخصوبة ونسبة فقس البيض لتصل إلى صفر في الجيل الثالث أو الرابع على الأكثر، فالسمان من الطيور الحساسة للغاية للتربية الداخلية. ولكن في تجربه أخرى على الأرانب الرومي (Guinea pigs) استمر تزاوج الأخوة لمدة 13 سنة ولكن تم هذا بعد البدء بـ 25000 فرد في البداية. ومثال آخر في الفئران أستمر لمدة 25 جيل بعد البدء بزوجين من الذكور وزوجين من الإناث مع الأخذ في الاعتبار العدد الكبير الذي تعطيه الفئران في البطن الواحدة.
وهكذا تختلف نتائج تزاوج الأخوة في التفاصيل ولكن تتفق في شيء وهو انحدار في صفات العشيرة الجسمانيه عاماً وفي الصفات التناسلية خاصاً ينتهي في أغلب الأحوال بموت هذه العشيرة.

المفارقة في رفض التطور العضوي للمجموعة البشرية الاولى والاقتناع بالأطروحة الدينية (آدم وحواء) باعتبارها هي الأكثر منطقية من الوجهة العلمية بالرغم من سذاجتها العلمية، وبالرغم من ان الدين ليس كتابا علميا وليس مصدرا يمكن مراجعته ومحاسبته او التأكد فيما إذا كان طرحه مجازيا لاغير. إن عدم الاقتناع بفكرة تطور الإنسان من أسلاف أقل رقياً والاقتناع بقصة أدم وحواء كبديل لشبيه –لو جاز لنا التشبيه– بعدم الاقتناع بقدرة شخص على أن يقف على قدمين والاقتناع بأن يقف هذا الشخص على طرف إصبع واحد من منطلق أن هذا أكثر منطقية من الوجهة العلمية Question Exclamation

يقول وضاح نصر:
"هذا من فعل الله" ليس تفسيراً لظاهرة ما، وإنما هو اعتراف بأنه ليس لدينا تفسير لهذه الظاهرة، وأحياناً يؤدي هذا الموقف – وهذا هو الأخطر – إلى عدم بذل الجهد العلمي المطلوب لمحاولة إيجاد تفسير معقول.

نعم بالفعل، أعتقد أن الأطروحة الدينية هذه تحتل مساحة لا يستهان بها في الوعي البشري، ولو أردنا أن نعرف كيف نشأ الإنسان فإن أول خطوة هي وضع هذه القصة–الأسطورة في حجمها المناسب واستبعادها أو على الأقل تقليص مساحة تواجدها في العقل ومدى معقوليتها من الوجهة العلمية (يمكن اعتبارها قصة رمزية أو ما شابه). وبغير هذا أعتقد أيضاً أنه من الصعوبة بمكان التوصل إلى فهم حقيقي للتطور العضوي، ويصبح أي حديث عنه مضيعة للوقت في أغلب الأحوال.

1- التباين الوراثي أو Genetic variation وهو الذي يرجع إلى اختلاف أفراد المجموعة محل الدراسة في تراكيبها الوراثية وطبيعي أنه كلما كانت المجموعة متجانسة كلما كانت الأفراد أقل تبايناً.
2- آليل أو Allele تطلق على الأشكال البديلة من الجينات والمشفرة لنفس الصفة، وتوجد في نفس الموقع على الكروموسومات المتجانسة مثل صفة لون العين الزرقاء مقابل صفة لون العين البنية وهكذا – وأن كانت صفة لون العين هذه صفة كمية يتحكم فيها أكثر من موقع وراثي فوجب التنبيه.
3- من المعروف أن الجينات موجودة على الكروموسومات والكروموسومات توجد في أزواج والمقصود بـ heterozygous أن الفرد الواحد يحمل آليلين مختلفين للجين الواحد – وباستخدام نفس المثال السابق عن لون العين يمكن أن تقول أن آدم يحمل صفة لون العين الزرقاء على أحد الكروموسومات ولون العين البنية على الكروموسوم المقابل وهذا عكس الشخص الـ homozygous والذي يحمل نفس الآليلين أما زوج من الجينات الخاصة بالون البني وأما زوج من الجينات الخاصة بالون الأزرق.
4- لدراسة الموضوع دراسة جادة ومفصله يجب أخذ معدل التكاثر ومقدرة والإناث على إعطاء أعداد كثيرة من الخلفة في مدة الوضع الواحدة ومدة الحمل ومدى التنافس بين أفراد هذه العشيرة والأفراد الأخرى والتكرار الجيني ... والكثير غيرها، وهي مما يزيد الطين بله هنا ولكني سأتغاضى عنها للتبسيط فعذراً على هذا التبسيط المخل.
5- السمان المقصود هنا هو الـ Coturnix coturnix japonica ويختلف أسمه من منطقة لأخرى فيطلق عليه السمان الياباني والسمان الفرعوني وقد يكون له أسماء أخرى.

بقلم حمدي الراشدي

الجزء الخامس : علاقة نظرية التتطور الحديثة مع نظرية داروين

بعض الاستنتاجات:
التطور هو فقط "تغير"، ولا يعني التطور "النشوء والارتقاء" أو التحسن نحو الأفضل أو زيادة التعقيد. فالتغير يمكن أن يتم في مختلف الاتجاهات. وكذلك فالتطور البيولوجي ليس له اتجاه معين. غير ان ذلك لاينفي ان عملية التتطور تتم تحت تأثير مجموعة من العوامل الداخلية والخارجية.

حوض المورثات هو وحدة الدراسة الأساسية، وليس صفات فرد معين. فلا يهمنا في هذا المجال تغير صفات فرد بعينه مع مرور الزمن، ولا تهمنا صفاته إن لم تنتقل إلى الأجيال التالية.
وكذلك من الممكن أن ينقل مورثات لا تظهر صفات ظاهرة إلى الأجيال التالية.

أحيانا تتم دراسة حوض المورثات لنوع بكامله (مثلا نوع معين من العصافير)، ولكن الأهم هو دراسة مجموعة من الكائنات الحية (ذلك النوع من العصافير في غابة معينة منعزلة طبيعيا).

لذلك فانتشار نسبة أصحاب الشعر الأسود بين سكان قرية في السويد مثلا، هو مجال لتطبيق التطور البيولوجي. فهذه النسبة كانت قليلة قبل مئة سنة في كل انحاء السويد، بينما ارتفعت نسبتها في السنوات الأخيرة بشكل ملحوظ في المدن الكبيرة ويتجه الارتفاع نحو القرى ببطءمما يدل على اختلال في استقرار الحوض الجيني.

نظرا لأن الدراسة تقام على حوض المورثات، فقد نشأت نماذج رياضية تحاكي انتشار المورثات وتوزعها في المجموعة السكانية مع مرور الوقت. ويتم استخدام الحاسب لزيادة الدقة في المحاكاة ومتابعة عدد أكبر من الأجيال. وهذه النماذج قادرة على القيام "بتنبوءات" ذات دقة متزايدة، وهي تمثل بذلك ناحية مهمة في البحث العلمي في مجال التطور البيولوجي.

وهذه النماذج الرياضية للتطور حققت نجاحا هائلا خارج مجال التطور، مثلا في دراسات علم النفس والاجتماع، أو في الطب والاقتصاد.

هناك لونان مختلفان لفراشة العت (العثة) البريطاني (biston betularia)، لون فاتح ولون داكن. في عام 1848 لاحظ العلماء أن نسبة اللون الداكن لا تزيد على 2% من مجموع العت في المدن البريطانية الكبرى، والبقية لها اللون الفاتح. في عام 1898 كانت نسبة اللون الداكن تزيد على 95%. بينما في المناطق الريفية كانت نسبة اللون الداكن أقل.

إذا فالمجموعة السكانية للعت تغيرت من أغلبية ذات لون فاتح، إلى أغلبية ذات لون داكن. ونظرا لأن اللون هو خاصة وراثية يتم نقلها إلى الأجيال التالية. فالمثال هو عبارة عن تغير في حوض المورثات:
حوض مورثات اللون يحتوي على تفريعتين: فاتح وداكن، ونسبة توزعهما تغيرت. وهذا التغير حسب التعريف الذي بدأنا به، هو تطور بيولوجي.

عوامل داروين على نظرية التتطور الحديثة:
بالرغم من ان نظرية التتطور الحديثة تقيم إستنتاجاتها على التحولات الجينية المحسوسة، إلا ان عوامل مثل الانتخاب الطبيعي والبقاء من خلال الصراع، والتتطور المتراكم لايمكن ان تبقى بدون أثر، من هنا نجد ان العلاقة مع الداروينية لازالت قوية بل تتدعمت.

الانتخاب الطبيعي:
ازدياد نسبة اللون الداكن من العت كانت بسبب الانتخاب الطبيعي. نهاية القرن التاسع عشر كانت عصر الثورة الصناعية في بريطانيا. فأدى دخان المعامل وتلوث البيئة إلى تغطية كل شيء بلون داكن من هباب الفحم. هذا أدى بدوره إلى عدم مقدرة العت ذي اللون الفاتح على الاختفاء أمام خلفيةداكنة اللون. فكانت ضحية سهلة للطيور التي تفترسها. بينما استفاد اللون الداكن من العت من تلوث البيئة، فكان فريسة أصعب بالنسبة للطيور. وبذلك نقص اللون الفاتح وازداد اللون الداكن بين العت.

نتيجة هذا الانتخاب الطبيعي استطاعت السلالات الداكنة من العت من التكاثر بشكل أفضل بكثير من السلالات الفاتحة اللون. فالطيور اصطادت أعدادا أقل منها، واختفاء اللون الفاتح قلل عدد المنافسين على الغذاء. وهذا أدى إلى تغير نسبتها في الحوض الوراثي.

حوض المورثات (gene pool)، هو أحد المفاهيم الجوهرية في التطور البيولوجي.
لنستوعبه بشكل جيد من المفيد أن ننظر إلى الكائنات الحية على أنها "حاويات"، أو "ناقلات" للمادة الوراثية (الـ DNA في معظم الحالات، كما نعرف اليوم).
ومجموع المادة الوراثية في مجموع الأفراد هو ما نطلق عليه اسم "حوض المورثات".

والآن عندما ندرس صفة معينة، مثل اللون في المثال السابق. فاللون يتحدد عبر مورثة، أو أكثر في الحالة العامة، ولكن عند هذا النوع من العت هناك مورثة واحدة تحدد اللون بشكل شبه كامل.
المورثة هي منطقة معينة على شريط الـ DNA، وتحدد صفة أو أكثر من صفات الكائن الحي، ويمكن أن تتواجد أكثر من "سمة" واحدة لهذه المورثة. ومجموع هذه السمات في الحوض الوراثي، مع نسبة انتشار كل من هذه السمات هو مجال اهتمامنا الرئيسي.

نعود إلى مثالنا. في البداية كانت لدينا السمتان (فاتح وداكن)، وفي النهاية أيضا. الأمر الذي اختلف هو نسبة انتشار كل منهما. السبب وراء ذلك، كما استنتج العلماء، هو كما شرح الزميل ربيع، لأن ظروف البيئة ساعدت اللون الداكن على التكاثر أكثر مما ساعدت اللون الفاتح. هذا ما يسمى بالاختيار الطبيعي. طبعا هناك أسماء أخرى لهذه العملية مثل: "صراع البقاء"، أو "بقاء الأفضل"، "بقاء الأقوى"، "التأقلم مع الطبيعة".

ولكل من هذه المفاهيم مشاكله إذا بسطنا الأمور أكثر من اللازم. ولكن من المهم توضيح الخطأ الدارج في فهم "التأقلم مع البيئة".

نعم العت تأقلم مع البيئة، ولكن كيف؟

اللون وراثي، وبالتالي فليس باستطاعة العتة أن " تقرر" تغير لونها لتتأقلم. واللونان موجودان في حوض المورثات، ولكن حوض المورثات ليست لديه "إرادة" ليتأقلم، وليست لديه آليات ليوعز للون الداكن بالتكاثر. نحن نستخدم التعابير " الغائية" مثل التأقلم ، بالمعنى التراجيدي البعيد عن الارادوية، أي ان هنا الاف التغييرات تحدث على الدوام لدى افراد المجموعة، وإحدى هذه التغيرات عند فر ما قد تكون مناسبة تماما للاختفاء، عندها يبقى هذا الفرد، بدون ان يفهم هو بذاته الاسباب خلف هذا الحظ، ويتمكن من التكاثر ونقل الصفة الجديدة في حين من لم تحدث عنده هذه الصفة او لم يورثه ممن حدثت لديه، فإنه يختفي..

النشوء والارتقاء:
هذا المفهوم، في نظرية داروين، ينطلق من أن الانسان هو على اعلى الهرم بين الكائنات البيلوجية، بينما الكائنات الأخرى أدنى منه بالتعقيد، ويشير الى ان هناك "سلم" تطوري عبرته الكائنات حتى وصلت إلى الانسان. ولكن من وجهة نظر بيولوجيا التطور فجميع الكائنات الحية التي تعيش اليوم على الأرض هي متطورة بالدرجة نفسها، فجميعها عاشت عددا هائلا من الأجيال والطفرات والانتخاب الطبيعي. لذلك فإن نظرية التطور الحديث ترفض هذا المبدأ الدارويني القديم. وقد اسئ إستخدام هذا المبدأ الامر الذي شكل نواقص في بعض استنتاجات داروين.

مثلا يمكن الحديث "بحذر" عن مؤشر بورصة نيويورك أنه "تطور" بمعنى تحسن وارتفع منذ تأسيسه حتى اليوم. ولكن هذا لا يعبر عن قانون اقتصادي بضرورة حصول هذا النوع من التغير. فالبورصة كما نعرف ترتفع وتنخفض بشكل مستمر.

غير انه يمكن القول ان التراكمات الجديدة من المورثات اعطت إمكانية لحدوث تغييرات جديدة لم يكن ببالامكان حدوثها قبلا لغياب هذا العامل الجديد، مما يشير الى اهمية التتطور المتراكم، للحصول على نتائج جديدة بغض النظر عن كونها افضل او اسوء.

البقاء للأقوى:
في مفهوم التطور البيولوجي "صراع البقاء" هو بشكل أساسي بين أبناء الحوض الوراثي الواحد، رغم وجود التأثيرات المتبادلة بين الكائنات. فالانسان كما نعرف أدى ببعض الأنواع إلى الانقراض، ويهدد الكثير من الأنواع الأخرى حاليا. ومن وضع صورة "البقاء للأقوى" كان يفكر ربما بمناطحة الأيائل، حيث أن الأقوى هو الذي يتزاوج وبالتالي ينشر مورثاته في الجيل التالي.

ولكن المنافسة أعقد من ذلك بكثير، وهي تبدأ بالمنافسة على الغذاء، ومن ثم على سرعة التكاثر، ومن ثم على تأهيل الجيل التالي ليتكاثر بدوره، والنجاح في هذه الأمور لا علاقة له "بالقوة" في معظم الأحيان. و"صراع البقاء" يفهم كثيرا بشكل خاطئ.

مع من وكيف صارعت العتة لتبقى؟
الذي حدث هو أن اختفاء اللون الفاتح أعطى للون الداكن فرصة لتتكاثر أكثر من السابق.
أي أن الذي حدث هو أن "منافس على الغذاء" قد اختفى. ومن بقي (في صراع البقاء)؟

طبعا العلماء لم يعدوا أفرادا من العت الهرم بقي على قيد الحياة بينما مات منافسوه، وإنما عدوا عت ولد حديثا بالعمر العادي.
الذي حصل هو أن أفراد العت الداكن تكاثرت أكثر. و"البقاء" ليس للفرد، ولا حتى للنوع (مجموع عدد أفراد العت لم يتغير بشكل ملحوظ). بل هو لمن يتكاثر، أي للمورثات التي تزداد انتشارا في حوض المورثات.

و"بقاء الأفضل" أو "بقاء الأقوى".
الصورة التي خطرت لمن صاغ هذه العبارات كانت عن الأيائل المتناطحة أو الأسد الذي يفترس الغزال. ولكن العتة الداكنة ليست أقوى ولا أفضل من الفاتحة. التعبير بالانجليزية أفضل بقليل (survival of the fittest)، أي بقاء "الأنسب". وهنا كان التصور أنه من الممكن تحديد الصفات سلفا التي ستبقى. ولكن ما تعريف الأنسب؟ هو الذي يتم اختياره عبر الاختيار الطبيعي.
وبالتالي فهذا تعريف دائري لا يضيف شيئا. والذي يبقى هو الاختيار الطبيعي الذي يزيد حظوظ البعض في التكاثر ويقلل حظوظ الآخرين. فتتغير بذلك نسب توزع السمات في حوض المورثات.

تجربة كلاسيكية ثانية - التأقلم المباشر
كما وضحت سابقا فالتطور ليس تحسنا. المجموعات السكانية تتغير ويجري اختيار الانسب فتتأقلم مع محيطها بدون ان تدري. وهذا لا يعني أنها تصبح أفضل بالمعنى المطلق للكلمة. صفة معينة أو استراتيجية ما قد تكون ناجحة في ظروف معينة، وفاشلة في ظروف أخرى. وهذا ماتم إثباته بتجربة كلاسيكية ثانية:
قام العلماء (باكين وأدامز) بزراعة سلالة من الخمائر وحافظوا عليها لعدة أجيال. من وقت لآخر تحصل طفرات تسمح لخلية الخميرة بالتكاثر بشكل أفضل من الأخريات. وهذه السلالات الطافرة تتكاثر بحيث تسيطر على مجموع الخلايا، وتدحر بذلك السلالات التي كانت مسيطرة سابقا.قام العلماء بأخذ عينات من هذه السلالات الناجحة في أوقات متعددة.

في تجربة لاحقة على شكل "مسابقة"، قارن العلماء السلالات ببعضها. لاحظ العلماء أن كل سلالة من الخمائر كانت تتفوق على سابقتها المباشرة. ولكن لاحظوا أيضا أن سلالات قديمة كانت تتفوق أحيانا على سلالات تأتي بعدها بعدة أجيال.

إذا المقدرة على المنافسة لسلالة ما هي دائما أفضل من سابقتها. ولكن المقدرة على المنافسة "بشكل عام" لم تكن تتزايد. فنجاح كائن ما في الاختيار الطبيعي يتعلق بسلوك المحيطين به. ولمعظم الصفات لا يوجد تصميم مثالي بالمعنى المطلق للكلمة، هناك فقط مفارقات في النجاح تظهر عند المقارنة المباشرة.

بهذا المعنى نرى التطور يشبه لعبة الأطفال (ورقة، حجر، مقص). حيث الورقة (يد مبسوطة) تلف الحجر وتتغلب عليه. والحجر (اليد بشكل قبضة) يتغلب على المقص. والمقص (اصبعان مفرودان) يتغلب على الورقة.


الأصل المشترك
رأينا في الشريط حتى الآن نبذة عن آليات التطور. وهذه أمور تمكن ملاحظتها في الظروف المخبرية. وسنعود إلى المزيد من هذه الآليات فيما بعد.

ولكن بغض النظر عن أي آليات، فهناك الكثير من الآليات الجديدة التي تتم دراستها، وتم التقليل من أهمية آليات أخرى، هناك "حقيقة" علمية هي الأصل المشترك لجميع الكائنات الحية المعروفة على الأرض.

التصنيف
إذا ذهبنا إلى مكان ما وشاهدنا عددا من الناس ذوي القسمات المتشابهة، فسنفترض عادة أنهم أقارب.
لاحظ الانسان منذ القدم وجود تشابه بين الكائنات الحية (مثلا الحصان والماعز: كلاهما ذو حوافر، يأكل النباتات..).
فاخترع أسماء وصفات ليجمع الكائنات المتشابهة.
قام أرسطو بتنظيم فكرة "شجرة الحياة"، التي تشمل مجمل الكائنات الحية وغير الحية.
فكانت الجمادات كالأحجار في الأسفل وتمر عبر النباتات ثم الحيوانات لتصل إلى الانسان..
في التاريخ الاسلام اشتهر إخوان الصفا بنشرهم لفكرة أرسطو.

ولكن الشجرة في هذه التصورات لم تكن لترتبط بنشأة مشتركة بين أفرادها.
كانت مجرد تقسيم لدرجات "الرقي" المختلفة (القدرة على النمو، الاحساس، الحركة، ثم التفكير).

واليوم تم تصنيف ما يزيد على مليون نوع من الكائنات الحية (أكثر من نصفها من الحشرات التي تكتشف أعداد كبيرة منها كل سنة، لذلك تتراوح التقديرات لمجمل عدد الأنواع الحية بين 30 و50 مليون نوع).

من الممكن تصنيف كل شيء وليس فقط الكائنات الحية:
يمكن تصنيف الصخور، السفن، الكتب في المكتبة، النجوم، اللغات.
التصنيف الدقيق يعتبر عادة أمرا عمليا، مساعدة وتسهيل للعمل.
فالكتب في المكتبة لا يمكن الاستفادة منها إن لم تكن مرتبة بشكل غير عشوائي، وسجل لنجد الكتاب في الموضوع الذي نبحث عنه.
وكذلك فتصنيف الكائنات الحية هو أمر مريح لعلماء الأحياء، ليجمعوا المتشابه منها في مجموعات وأسر ويعطون كل منها اسما خاصا.

ولكن للتصنيف البيولوجي ميزة لا توجد في التصنيفات الأخرى.
فهذا التصنيف هو عبارة عن "شجرة حقيقية".

لننظر إلى مثال المكتبة مرة أخرى.
فليس هناك حل صحيح ووحيد لمسألة التصنيف.
فمن الممكن أن نقوم بالتصنيف حسب الموضوع العام (علوم، تاريخ، أدب، اللغات الأجنبية..الخ). ومن ثم نقوم بتصنيف كل موضوع إلى أقسام (مثلا العلوم: فيزياء، أحياء، كيمياء..الخ). وكتب الأحياء يمكن تقسيمها إلى (فيزيولوجيا، كيمياء حيوية، تشريح..الخ). وفي النهاية نصنف الكتب حسب الترتيب الابجدي.
وكذلك الأمر بالنسبة للأقسام الأخرى.
وهذا التصنيف هو عبارة عن شجرة من التفرعات (تصنيف هرمي).

ولكن شخص آخر يمكن أن يقوم بتصنيف الكتب نفسها بشكل هرمي، ولكن مختلف.
فلا يضع قسما للغات الأجنبية، بل يضع كتب الأحياء بمختلف اللغات في القسم نفسه.
شخص ثالث ربما يتبع فكرة ترتيب الكتب بغض النظر عن موضوعها حسب تاريخ النشر.
ورابع قد ينسق الكتب حسب المؤلف.

وجميع هذه التنسيقات يمكن رؤيتها في المكتبات المختلفة، وكلها "تفي بالغرض".
ولذلك لا يوجد "حل صحيح" لمسألة تنسيق الكتب، هناك حلول مختلفة.
واختيار حل معين لا يعني أن الحلول الأخرى "خاطئة".

كذلك يمكن تصنيف الكائنات الحية بطرق مختلفة.
فقد يخطر لأحدهم أن يصنف الحشرات التي يجمعها حسب الحجم، أو المكان الذي اكتشفت فيه، أو الظروف التي تحتاجها من أجل الحفظ.
وهذا النوع من التصنيف نراه في حدائق الحيوان.
فنرى وحيد القرن في قسم الفيلة. ولا سبب لذلك إلا أن النوعان بحاجة إلى أقفاص وحماية من نوع متشابه.
في بعض الأحيان نرى التصنيف بين الحيوانات المدجنة والمتوحشة، أو الحشرات المفيدة مقابل الضارة.

ولكن مقابل كل هذه التصنيفات التي يمكن تصورها، هناك تصنيف متميز، بحيث يمكن استخدام تعابير "صحيح" و"خاطئ" إذا توفرت المعلومات الضرورية.
وهذا التصنيف البيولوجي يتم عبر "درجات القرابة" بين الكائنات المختلفة.
فنرى الحيوانات الثدية مصنفة سوية، بينما الطيور في قسم آخر.

ولا يوجد تفسير لدرجات القرابة هذه، إلا الاصل المشترك.

لماذا حصلت هذه التتطورات بالذات، الايدل ذلك على ان الطفرة لها قدرة واعية؟ وكأن الجينات تعرف ماذا ستختار بوعي؟
ان هذا السؤال مفهوم بعد حدوثه، اي بعد ان حصل ماحصل اصبح من الممكن وضع التساؤولات عن لماذا هذا بالذات. بالضبط مثل الذي يربح ورقة الياناصيب ليتسأ ل بعد ذلك لماذا انا بالذات؟

لاحظ المثال البسيط التالي:
"يمكنك أن ترمي النرد خمس مرات فتحصل على 4، 2، 5، 1، 1"
قد يقول قائل، هذا شيء عادي، ولا شيء غريب في هذه السلسلة من الأرقام.
الآن يمكن أن نسأل بطريقتك: "ألم يكن من الممكن أن تلي الأربعة ثلاثة وليس إثنين؟
الجواب هو طبعا هذا ممكن، فلا يوجد ما يمنع ذلك.

ولكن لماذا جاءت الاثنين بالذات وليس أي رقم آخر؟
لماذا الاثنين التي هي نصف الأربعة؟ (طبعا الخمسة ليست نصف الاثنين، وبقية الأرقام لا تخضع لمنطق مشابه).
ألا يدل هذا على نوع من "الوعي" في تسلسل الأرقام..

هذا سؤال مغري في جميع أنواع التحليل التاريخي، ويعود إلى ولع الانسان بالشخصنة (أي اعتبار مختلف الأمور أشخاصا ذوي وعي وإرادة)، وعادة لا جواب عليه.

هناك آليات وعوامل، ولكن افتراض "الوعي" يستوجب وجود الهدف "القبلي" (أي قبل أن يبدأ التطور)، وليس من الممكن التدليل على وجود الهدف عبر التحليل البعدي (الرجعي).

كان لا بد أن يأتي رقم ما، وهنا جاءت الاثنين.

مثال آخر:
لماذا أمريكا هي القوة المسيطرة الآن على العالم؟ هل كان من الممكن التنبؤ بذلك قبل ألفي سنة؟
بعض الأمريكان قد يزعم ذلك، ويرى في ذلك حتمية تاريخية (لا شك أنك سمعت بنظرية "نهاية التاريخ" لفوكوياما مع اختلاف الطرح).
ولكنها في أفضل الحالات نظرة"بعدية" أي أنها تفسر الأمور بعد أن حصلت.
كان لا بد من حصول تقلبات كثيرة في تاريخ الشعوب، وها نحن في هذه المرحلة.
المرحلة الأمريكية ليست هدفا للتاريخ، ولا يمكن الحديث عن هدف "واعي" للتاريخ.

وكذلك ترى أن الطفرة التي أدت إلى تغير طريقة المشي لم تكن الطفرة الوحيدة الممكنة، وقد حصلت طفرات أخرى نرى نتائجها عند الكائنات الأخرى.

بالنسبة لتطور الجسم الانساني اليوم فيجب التفريق بين التغيرات التطورية والتغيرات التي لا علاقة لها بذلك.
مثلا، كل جيل جديد هو أطول من الجيل السابق له (وسطيا، في الدول الغربية) منذ أكثر من مئة سنة.
ولكن هذا مرده حتى الآن إلى التحسن في التغذية والعناية الطبية وليس إلى تغير في المورثات.
ولذلك يمكن "التنبؤ" بازدياد الطول لبضعة أجيال قادمة بشكل مشابه.

في المقابل هناك أمور كانت تمارس دورا في الانتخاب الطبيعيا تختفي الآن، مثلا سعة حوض المرأة.

في الماضي كانت النساء ذوات الحوض الضيق يمتن عند ولادة الطفل الأول (غالبا مع الطفل)، وبالتالي تبقى هذه الصفة محدودة الانتشار في الأجيال التالية، بينما اليوم تتم الولادة في هذه الحالات عبر العملية القيصرية.
وبذلك تنتشر مورثة الحوض الضيق بين النساء اليوم، وليس هناك ما يصفيها.

إذا كان جزء قليل من الطفرات الايجابية التي بذاتها نادرة الحدوث ، تصبح صفات منتقلة الى الاجيال القادمة الا يعني ذلك ان هناك إغراق بأهمية الطفرة ودورها الحقيقي؟

هنا من المفيد معاينة بعض الأرقام:

هناك تقريبا 0,1 إلى طفرة واحدة عند نسخ الجينوم عند الفيروسات.
وهناك 1/300 طفرة عند انقسام البكتريا.
عند الكائنات الأعلى تختلف النسبة حسب نوع الكائنات.
عند الانسان احتمال حصول طفرة في واحد من الجينات هو 1/100و000 الى 1000,000 مرة. وحيث ان الانسان يملك 30,000 جين، مما يعني ان ستة خلايا على الاقل تحوي نوعا ما من الطفرات. مما يعني ان الطفرة ظاهرة طبيعية ودارجة حتى في الاشخاص الاصحاء.
عند الانسان هناك تقدير بوجود 64 طفرة في كل جنين (هناك دراسات أخرى تشير إلى 175 طفرة).
ومعظمها في الأجزاء غير الفعالة من الجينوم.
أي أنه لدى الانسان عادة 50 إلى 100 طفرة، ثلاثة منها تؤدي إلى أثر ظاهر، أي إنتاج بروتين مختلف.

الخلاصة:
الطفرات نادرة، وإلا لما وجدنا استقرارا في بنية الكائنات الحية.
ولكنها موجودة بشكل كاف رغم ذلك.

أي في النماذج الرياضية لمحاكاة التطور لم يظهر عدد الطفرات عائقا أمام تفسير انتقال شكل إلى آخر.

وفي النماذج الرياضية التي تحسب درجة القرابة بين الكائنات الحية نرى توافقا بين عدد الاختلافات في البنية الوراثية (أي عدد الطفرات) وبين المدة التي تفترض بناء على دراسة الاحفوريات لعمر الأصل المشترك.

وذلك مع مراعاة عدد الأجيال الوسطي ونسبة الطفرات لكل جيل.

مثلا:

الانسان يتشارك مع الشمبانزي في 98% من بنية شريطه الوراثي.
ومعظم الاختلافات تتواجد في الجزء غير الفعال من الدي ان اي.
وبناء على الأحفوريات يبدو أن الأصل المشترك عاش قبل 6 ملايين سنة.
بافتراض طول الجيل 15 إلى 20 سنة نجد أن عدد الطفرات المطلوب هو (~2 ×10^-8) (تقريبا 2 مقسمة على عشرة قوة ثمانية) في الجيل الواحد.

بناء على الأرقام السابقة التي نتجت من دراسات السرطان نجد أن نسبة الطفرات لكل جيل عند الانسان هي (1– 5 ×10^-8)
(علما بأن هذه الأرقام هي الحد الأدنى لأنها لا تشمل المحي أو الاستبدال الكامل التي لا تشوه الوظيفة الوراثية).

التوافق بين الرقمين مذهل، ويوضح أن عدد الطفرات لا يشكل مشكلة في فهم التطور.

newsid_3144000/3144518.stm
faqs/mutations.html

بقلم حمدي الراشدي

الجزء السادس : التتطور في الكائنات المجهرية وتأثيرها على الكائنات العليا

فايروس انفلونزا الطيور وخاصية التتطور

تناقلت الصحف في الفترة الاخيرة مرض انقلونزا الطيور، وقد ذكرت ايلاف مايلي:
قال باحثون ان الاختبارات الجينية التي أُجريت على عينات أُخذت من ضحايا انفلونزا الطيور في تركيا أظهرت ان الفيروس طرأ عليه تغير طفيف قد لا يكون كافيا بالقدر الذي يجعله يمثل خطرا الآن.وقال الخبراء ان التحور أمر متوقع من فيروس متقلب بشكل كبير وقد يتسبب في نهاية الأمر في حدوث وباء.وسببت سلالة H5N1 المميتة من فيروس انفلونزا الطيور إصابات بشرية في تركيا وعُثر عليها في الطيور الداجنة في شتى أنحاء البلاد. وتوفي بسببه حتى الآن ثلاثة أطفال في تركيا وأصيب 18 شخصا آخرين وفقا لما أعلنته السلطات التركية.

ووفقا لسجلات منظمة الصحة العالمية التي تتضمن أربع حالات اصابة بسلالة فيروس H5N1 القاتل فقط في تركيا فقد أصاب الفيروس على مستوى العالم 147 شخصا قتل منهم 78.

ويراقب العلماء الفيروس بعناية ليروا ما اذا كان يتحور بالقدر الذي يسمح له بالانتقال بسهولة من انسان لآخر الأمر الذي قد يسبب وباء عالميا ربما يحصد أرواح الملايين. وأرسلت عينات الضحيتين الاوليين للفيروس في تركيا الى مختبر تابع لمنظمة الصحة العالمية في بريطانيا لتحليلها.وأوضح روبن دونيس وهو رئيس فريق بحوث علم التركيب الجزيئي للمورثات في قسم الانفلونزا بالمراكز الامريكية لمكافحة الامراض والوقاية منها ان هناك صنفين مختلفتين من سلالة الفيروس في أجسام الضحايا.

وقال في محاورة عبر الهاتف "أحد الصنفين كان فيروسا عاديا كالذي رأيناه في الطيور الداجنة بتركيا من قبل ..وليس فيه مفاجأة."إلا ان نصف سلالة الفيروس حدث لها تحور في بروتين يسمى هيماجلوتينين hemagglutinin الذي يستخدمه فيروس انفلونزا الطيور ليلتصق بالخلايا التي يصيبها.أضاف دونيس ان هذا التحور وجد في الماضي انه يسمح للفيروس باصابة كم أكبر من الخلايا عبر بناء يسمى الحامض اللعابي.وحين اختبر العلماء فيروس الانفلونزا معمليا وجدوا ان هذا التحور الهام أعطى الفيروس قدرة أفضل على الالتصاق بالخلايا المماثلة للخلايا البشرية.وقال انتوني فاوسي رئيس المعهد القومي الامريكي للحساسية والامراض المعدية "من غير الواضح ما اذا كان التحور حدث في الانسان أم حدث في الدجاج."

أضاف فاوسي في محاورة عبر الهاتف قائلا "نفس هذا التحور تم تحديده عام 2003 في هونج كونج ولم يتسبب في انتقال بشكل أكبر لسلالة الفيروس سواء من الدواجن للانسان او من الانسان للانسان."وقال جوينال رودير رئيس بعثة منظمة الصحة العالمية في تركيا انه لا يوجد دليل على ان سلالة الفيروس تحورت سواء في معدل اصابتها او في العلل التي تسببها.وقال رودير في مقابلة "الامر غير مقلق بشكل كبير على المستوى المحلي (في تركيا).. فنحن لا نتوقع انتشارا واسعا."الا ان رودير وفاوسي قالا انه سيكون من المهم دراسة سلالة الفيروس المميتة بعناية وملاحظة كيف ومتى تتغير.ولا تزال سلالة "H5N1" المميتة من فيروس انفلونزا الطيور تصيب الطيور في الأساس.: انتهى الخبر

فهل هذا التحول استثناء ام قاعدة في عالم الكائنات البيولوجية؟ زهل ينشأ عن التحول كائنات جديدة بصفات جديدة كليا؟

مالذي يجعل الكائنات قادرة على التكييف؟

عادة يعتبر العلماء ان الحيوانات الاهلية والطيور هم من يشكل بيئة نشوء الامراض، غير ان العلماء البريطانيين اكتشوا مرض نادر كانت الحشرة هو البيئة التي ظهر فيها. في المستقبل سنستطيع مراقبة امراض اكثر قادمة الينا بفضل الحشرات كعامل نشوء وتحول.

التحاليل التي اخذت من جرح ملتهب لاحدى المريضات الاستراليات عام 1994 اظهرت باكتريا فاجأت العلماء لكونها ليست من الانواع التي تصيب الانسان وهي باسمPhotorhabdusluminescens ولكنها معروفة بقدرتها على اصابة الحشرات، الى درجة انها تستعمل مقاوم بيلوجي لهم في الزراعة. سابقا اكتشفت هذه البكتريا مرتين في الجروح الانسانية مما يؤكد ان الامر لم يعد استثناء وانما تحولت الى نوع جديد من البكتريا.



اعطي اسما جديدا هو: Photorhabdus asymbiotica: ومنذ ذلك الوقت وهذا النوع الجديد يتواجد عند الانسان فقط وابدا عند الحيوان. هذه الواقعة تشير بوضوح الى ان البكتريا الاصلية قد استطاعت ان تتحول الى نوع اخر جديد تماما. الفحص الجيني اثبت وجود اختلاف بسيط بين البكتريا القديمة والجديدة، الامر الذي يشير الى ان التحول جرى بسرعة، إذ ان تغيرات صغيرة من هذا النوع هي اول مايحصل عند الكائن، وهي كافية ،كما يبدو، للحصول على التغييرات الجذرية. النوع الجديد قد خسر قسم من الجينات (وليس كلها) التي سمحت سابقا له بالتغلغل بالحشرات، في نفس الوقت حصل على جينات تعويضية جديدة تساعده على التغلغل في دفاعات الانسان عوضا عن الحشرات.

قسم كبير من هذه الجينات وجدت في مايسمى البلازميد وهو شئ ما يشابة الكروموسوم مع خصائص مستقلة. Plasmid لديه القدرة على التبادل مع مورثات الكائنات الاخرى خارج عملية التكاثرالطبيعية الداخلية للكائن نفسه. هذا التبادل يمكن ان يحدث مع انواع قريبة و بعيدة، مما يعطيه القدرة على التغيير الجيني السريع بموجبه يحصل على صفات نوعية جديدة بفترة قياسية، تساعده على الَتميز والبقاء والسيطرة، في معركة الاصطفاء الطبيعي.

الجمرة الخبيثة جاءت من الحشرات: (antrax)

البيلوجي نيكواترفيل(Nick Waterfield) وزملائه من جامعة باث (Bath) الانكليزية، يعبر عن خشيته من ان تكون الحشرات ليست إلا ماكينة تفريخ للامراض الجديدة، التي من الممكن ان يكون لها القدرة على اصابة الانسان ايضا.

المرض الذي يسببه Photorhabdus asymbiotica للانسان مختلف تماما عن المرض الاصلي الذي كان يسببه عند الحيوان.الباكتريا Bacillus Thuringiensis كانت في الاصل قاتلة للحشرات، تغيرت بفترة قصيرة الى B anthracis لتسبب الجمرة الخبيثة عند الانسان ايضا.

حتى الطاعون جاء الينا عبر باكتريا.Yersinia pseudo-tuberculosis تعيش عادة في التربة، ولكنها تصيب عادة الحيوانات الداجنة وتسبب لها التهاب بسيط. قبل فترة ليست طويلة اصبحت تصيب نوع من الحشرات وتقتله، ولكن هذه المرحلة لم تستمر طويلا، إذ ان الباكتريا غيرت خصائصها من جديد لتتحول الى الانسان. هذه المرحلة من التحولات لباكتريا الطاعون ، يقدرها العلماء بحوالي 1500 عاما فقط ، وهذا المرض كان من اسباب إضعاف الخلافة العباسية إذ ادى الى قتل اغلب سكان بغداد وتبديلهم بالبدو، كما ادى هذا المرض الى قتل ربع سكان اوروبا في القرن الثالث عشر.

طفرة واحدة في المورثات وتكفي

نيك واترفيلد Nick Waterfield اظهر عام 2002 انه يكفي تبديل جين واحد فقط من اجل تغيير خصائص المرض وقدرته على اصابة ضحايا جدد. إن قدرة الباكتريا عل التحول يجعل خطرهم كبير ومقاومتهم صعبة، كما يجعلهم مؤهلين لانتاج امراض جديدة. غير ان التتطور والتفاعل بين الباكبريا والجسم الحاضن لاتساعد فقط على نشوء انواع جديدة ولكن ايضا على ظهور دفاعات جديدة عند الجسم الحاضن والمصاب من خلال تبادل الاحماض الامينية. عندما ينشأ المرض في حاضن ثالث ليصبح مؤهلا لمهاجمة الانسان يكون الامر مفاجأة كاملة. هذا بالضبط مايحدث الان مع انفلونزا الطيور، حيث تشكل الطيور الجسم الحاضن. غير ان التغير على الفيروس ليس إلا قضية وقت ليصبح ممكن الانتقال بدون جسم وسيط من الانسان الى الانسان، لهذا يحتاج الى تغير جيني بسيط.

ابولا والايدز جاءوا الينا من القرود كناقل مساعد ، في حين الانفلونزا الاسبانية Spanish Flu جاءت بطريق مشابه للانفلونزا الطيور. من خلال جثة امرأة، استطاع العلماء إعادة احياء فيروس الانفلونزا الاسبانية الذي قتل عام 1918 حوالي 50 مليون انسان . الجثة كانت موجودة في مقبرة جماعية في الالب، مما ساعد التجمد الكثيف وطبقات دهن الميت على حفظ الفيروسفيها حتى عام 2002، حيث قام العالم John Hultin، اخراجها من اجل الحصول على الفيروس. Jeffery Taubenberger من معهد Armed Forces of Pathology الامريكية ، اعاد انتاج الفيروس من خلال تركيبه الوراثي . الفيروس اظهر تشابها مدهشا مع النسخة القاتلة من فيروس انفلونزا الطيور. من اجل معرفة القدرة القاتلة للفيروس جرى تجريبه على الفئران . جميع الفئران المصابة ماتت خلال ستة ايام. لقد ظهر ان الخلايا الحية التي يصل اليها الفيروس تخرب فورا وتتدمر.

والان نعرف ان البكتريا تعيد خلق نفسها باستمرار، والتتطور لم يتوقف ابدا، ولايوجد مايبرر القول ان الله استوى على العرش حتى الان، إذ ان مهمة الخلق لم تكمل؟

الكائنات الدقيقة تتحد مع بعضها البعض مشكلة نوع جديد

وإذا كانت الفيروسات لها القدرة على التوحد مع مورثات الجسم المضيف والاستفادة من مورثاته لتغيير مورثاتها وإعادة التلائم، ماذا يحصل إذا كان حجم الجسم المضيف صغير، وبالتالي فحجم مورثاته مماثلة لحجم مورثات الفيروس نفسه.؟

إن اعتبار الحياة قد ظهرت من الكائنات الدقيقة يفترض وجود اندماج عدة كائنات مع بعضها البعض من اجل تحقيق الوظائف المعقدة والمتتداخلة، هل اختفت هذه الحلقات الادنى بعد تتطورها؟ الطبيعة تظهر انها لازالت محتفظة بها حتى الان. Noriko Okamoto and Isao Inouye from Tsukuba/ Japan اكتشفوا كائن من ذوي الخلية الوحيدة واسموه هاتينا* ويعني (الحزيرة). خاصية التمثيل الضوئي الموجودة في النباتات، تشكل الاساس للحياة على الارض، والكائن الجديد قد يفسر كيفية انتقال هذه العملية من البكتريا الى الطحلبيات. انه يفسر انتقال وظيفة حيوية الى كائن اعلى متعدد الوظائف. Hatena تنتمي الى مايسمى flagellat اي كائن قادر على التنقل بين حالتين. عندما يكون جسم بدون لون يستقبل الى داخله جسم طحلبي اخضر. في هذه المرحلة يقوم الكائن الجديد الاخضر بالانقسام الى جسمين جديدين احدهما بدون لون والاخر بلون اخضر. الجسم المضيف يستقبل طحلب، الذي بدوره يقوم بعدة انقسامات داخلية. ومن الواضح ان كلا الكائنين قد تتطوروا اعتمادا على بعضهما البعض، ليصبحوا جسما واحدا الذي بدوره يؤكد نظرية Endosymbionthypotes”, التي تشرح تتطور عملية التمثيل الضوئي . وقد افترضت هذه النظرية منذ لحظة وضعها الى ان العملية جرت ليس فقط عبر طفرة بالكائن نفسه وانما عبر حصول الكائن على جينات اضافية من كائن اخر وقد ظهرا صحة هذه النظرية.

هذا الشكل من الاتحاد نعرف اشكالا اخرى له، ثبت اخيرا ان الطفيليات التي تسبب مرض الملاريا سرقت مورثاتها DNA من النباتات قبل بضعة ملايين السنين. هذا الاكتشاف ادى الى ظهور الامل باستخدامه لمكافحتها من خلال تتطوير دواء جديد اكثر فعالية. المشكلة اليوم ان الادوية الحالية سامة جدا الى درجة انها قد تسبب للمريض اضرارا جانبية جدية عند المعالجة. بأستخدام مواد مكافحة موجهة الى الاجزاء النباتية نتجنب الحاق الضرر ببقية الكائنات التي تفتقد الى مورثات ذات منشأ نباتي في جيناتها وبالتالي نضمن القضاء على الكائنات الضارة فقط.
السرقة جرت عندما قامت الطفيليات بامتصاص طحيلبيات مائية في خلاياها المركزية، لتصبح جزء من مورثاتها، وهي محفوظة الى الان بدون تغيير تقريبا. الطفيليات لم تعد تستطيع العيش بدون هذه المورثات اليوم، وباعتبارها من اصل نباتي، يعتقد العلماء انهم باستطاعتهم خلق مادة تخرب المورثات النباتية فقط، وهذا بحد ذاته كافي لقتل الطفيليات.
غير ان الاغرب هو الكائن Chlorotica elysia, وهو مو عائلة القواقع البحرية. هذا الكائن يتمكن من تحويل الخلايا النباتية التي يحصل عليها من طعامه الى جزء من جسمه، لتقوم بالإستمرار في التمثيل الضوئي وانتاج السكر والاوكسجين مباشرة في جسم القوقعة. هذا الامر حير العلماء لفترة طويلة. الان نعلم ان الكائن تمكن من توطين جينات نباتية في مجموعته الجينية الامر الذي جعل من الممكن له ان يتحول من نصف حيوان ونصف نبات، وبالتالي اصبح من الممكن استغلال النباتات مباشرة.

هل البكتريا والجراثيم هي الاشكال البيلوجية الوحيدة التي شكلت اسس الحياة؟

عند احد الاختبارات الروتينية لعينات من الاتربة خلال حفريات البحث عن النفط في غرب استراليا، اصبحت العينات تزداد حجما يوما فيوما مما اثار دهشة العلماء. في البدء اعتقدوا ان ذلك بسبب بكتريا في العينات، غير ان التحاليل لم تعثر على بكتريا او فطريات، ولكن عثروا على شكل جديد للحياة لم يكن يعقل ان يكون موجودا على سطح الارض. كائن اصغر من كل الاشكال الاخرى المعروفة. لقد سمي nanobe . وهي كائنات من الصغر الى درجة لايمكن ان تحتوي على الاعضاء التي كان العلماء،حتى الان، يعتقدون انها ضرورية للحياة، مثل خلية مستقلة ومورثاتها وانزيماتها، بروتين، ريباسوم. الكائن الجديد اصغر بكثير من البكتريا. مثلا الريباسوم لايزيد حجمه عن 50-60 نانومتر (قسم من مليارد قسم من المتر)، في حين حجم الكائن الجديد بين 20 الى 150، الامر الذي يجعل من الصعب احتوائهم على ريباسوم واحد. ويظهر في الصورة مكبر 35000 مرة.

كانت اصغر الكائنات المعروفة هي البكتريا وتحتوي على 470 جين. nanobe حجمه يساوي احد محتويات البكتريا، غير ان البكتريا لاتعتبر من الاحياء لكونها لاتستطيع التكاثر بدون جسم مضيف، في حين nanobe يستطيع التكاثر ذاتيا. ان تكوينهم يشير الى انهم مصممين بشكل مختلف تماما عن مانعرفه اليوم عن الكائنات الحية. انهم يشبهون والى حد كبير حلقة مفقودة بين الجماد والحياة، فهل هم كذلك حقا؟
الجيلوجي Philippa Uwins from Queenslandsuniversity لايشك بأن هذه الكائنات حية، إذ انهم في المختبر قد تكاثروا، مباشرة تحت عدسة الميكروسكوب، عند وصول درجة الحرارة الى 22 مئوية. عندما وضعوا تحت اشعة السكانيرابتعدوا عن اماكنهم. كما ان ثلاثة اختبارات اظهرت اثار لمادة الحياة DNA اضافة الى انهم يملكون غشاء يجمع مواد حيوية مهمة مثل الاوكسجين والازوت والفحم. إلا ان العلماء لم يستطيعوا حتى الان عزل DNA و معرفة ميكانيزم التكاثر الذي يميز هذه الكائنات.
عالمان فنلنديان باسم : Olavi Kajander & Neva Ciftcioglu ان وجد نفس الكائنات في الجسم البشري. لربما لهم مسؤولية في بعض الامراض البشرية مثل تشكل الاحجار في المجاري البولية، إذ انهم موجودين بكثرة في الاحجار المتشكلة. لقد ظهرت اثار مشاركاتهم بالحياة الى جانب الكائنات السائدة، بالرغم من انهم في طريقهم الى الانقراض كنوع خاص ومستقل. إلا ان هذا الاكتشاف اعاد الحياة الى اكتشاف سابق لم يعطى الاهتمام المناسب بسبب غرابته وهو ماوجد في الحجر المريخي.

قدرة البكتريا على تعدد اشكال العيش

البكتريا لاتظهر فقط في وسط يحتوي على اوكسجين، او حرارة معتدلة، وانما يمكن ان تظهر في بيئات لاتخطر على البال. في مناجم الذهب في افريقيا الجنوبية، تم العثور على احد اغرب انواع البكتريا. انها تعيش في اعماق الارض، بدون اي اتصال مع اي كشل من اشكال الكائنات الحية الاخرى. هذه البكتريا اطلق عليها اسم D. audaxviator, وهي لاتحتاج الى اوكسجين او طاقة من الشمس. انها تشكل لوحدها منظومة ايكالوجية كاملة. هذه البكتريا تحصل على الطاقة من خلال التفاعلات الكيميائية، بمساعدة مركبات الكبريت، وتعيش في حرارة تصل الى 60 درجة. تملك هذه البكتريا جينات تساعدها على تفكيك المركبات العضوية، الامر الذي يجعل العلماء يعقتدون انها قادرة على " اكل" ابناء جنسها، ولكن يساعدها ايضا على تفكيك مركبات الكربون مباشرة من مركبات مثل اول اوكسيد الكربون. هذه البكتريا تعيش على اعماق 2,8 كيلومتر، تحت الارض، والاعتقاد انها تركت سطح الارض منذ بضعة مليارات السنين.

البكتريا التي تعيش في اوساط قاسية معروفة ، وتنتمي الى مجموعة تسمى اكسترومفيل extremophile, ولها انواع متعددة، اعتمادا على نوع البيئة التي تعيش فيها. اغلب اعضاء هذه المجموعة من البكتريا، ولكن يوجد بها كائنات اخرى، مثلا: empel. العديد من اعضاء هذه المجموعة ينتمون تصنيفيا الى المتعددة الخصائص. هنا التقسيمات التي ينتمون اليها:
Acidophile, تعيش في بيئة حامضية تصل الى 3
Alkaliphile, وهي مجموعة تمكنت من التلائم مع الحياة في بيئة منخفضة الحموضة تصل الى 9 او اعلى.
Endolitا, وتعيش في مساحات صغيرة للغاية، في بطن الاحجار.
Hyperthermophile, وتعيش في الحرارة العالية مابين 80-120 درجة مئوية.
Piezophile,تعيش تحت ضغط مائي عالي.
Xerophile,تلائمت مع الحياة في مناطق جافة للغاية.
Radioresistant, تقاوم تأثير الاشعاعات، مثل الاشعة البنفسجية، وحتى الاشعة النووية.
Osmophile,قادرة على النمو في البيئة ذات التركيز السكري العالي.
ومن المثير ان العلماء اكتشفوا نوع جديد، يمكن اطلاق اسم Teknofil, عليه، حيث انها بكتريا تم العثور عليها في المحطة الدائمة حول الارض، وهذه البكتريا تعيش على البلاستيك والمعادن، لعدم وجود شئ اخر.

هذه الانواع تعطينا افكار عن ماذا تحتاج الحياة من اجل ان تتمكن من الظهور والبقاء. ومن الواضح ان قدراتها متنوعة، الامر الذي يعني ان إمكانية ظهور الحياة على الكواكب الاخرى واسعة للغاية.

هل هناك حياة على المريخ؟

هذا الاكتشاف اثار الفوضى والتساؤلات عند الكثير من الفروع العلمية وخاصة علم الفلك، إذ ان العلماء عادوا الى احجار فضائية قديمة كانوا قد عثروا عليها سابقا تحمل الرمز ALH84001* ، وبها اثار من الحياة قادمة من كوكب المريخ. احد اكبر المشاكل التي واجهت العلماء في التعرف على الحياة في الحجر انها كانت لكائنات غاية في الصغر. حجمهم لم يتجاوز 20 نانومتر، مما دعى العلماء للاعتقاد في حينها ان ذلك ليست شكل من اشكال الحياة وانما تفاعلات كيميائية غير كاملة لاعلاقة لها بالحياة.

لجنة من ناسا تعتقد ان شكل الحياة لايمكن ان يوجد في كائن اصغر من 100 نانومتر، غير ان هذا لايعني ان نانوبه ليست كائن وانما شكل لحياة جماعية او انها مشتركة بوظائف بيلوجية جماعية او ان كل فرد يقدم وظيفة للجماعة. اكتشاف nanobe ادى الى إعادة النظر بالاستنتاجات السابقة. إن الحياة قد تأخذ اشكالا متعددة وغير متوقعة وليست بالضبط ستطابق توقعاتنا.

المصادر:

elaph.com
microbeworld.org
bath.ac.uk
sciencemag.org
illvet.se
sciam.com
microscopy-uk.org.uk
curator.jsc.nasa.gov
marsnews.com
Illustrerad Vetenskap nr 2 /2001
Illustrerad Vetenskap Nr 17/2005
Illustrerad vetenskap nr2/2006


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق