بقلم: كارل بوبر.
ترجمة: samird
نوفمبر 2009
لم تكن المشكلة التي واجهتني في ذلك الحين هي "متى تكون النظرية صحيحة؟" ولم تكن كذلك "متى يمكن قبول نظرية معينة أو الأخذ بها؟" ولكن القضية كانت مختلفة تماما. أردت أن أفرق بين العلم(science) والعلم الزائف (pseudo-science) ، مع معرفتي بأن العلم قد يخطئ أحيانا في حين أن العلم الزائف قد يصيب صدفة.
عرفت -طبعا- الجواب المعتاد لمشكلتي: أن الفرق بين العلم والعلم الزائف أو الميتافيزيقا – هو في الأسلوب الاستنباطي للعلم والذي هو استقرائي في جوهره، ويكون نتيجة للمعاينة أو التجربة، ولكن هذا الجواب لم يكفني، وعلى فكرة: غالبا ما صغت مشكلتي على أنها مشكلة التفريق بين أسلوب استنباطي حقيقي وبين أسلوب غير استنباطي أو استنباطي زائف- أي أسلوب يتوجه نحو المعاينة والتجربة ولكنه مع ذلك لا يخضع للمعايير العلمية. التنجيم على سبيل المثال: مع ثرائه العظيم بالأدلة الاستنباطية المبنية على معاينات مثل تنبؤات الأبراج والسير الذاتية. ولأن التنجيم لم يكن هو الذي ساقني إلى هذه المشكلة، من الجدير أن أصف باختصار الجو الذي نشأت فيه مشكلتي، والأمثلة التي كانت بمثابة حافز لها. في أعقاب سقوط الإمبراطورية النمساوية، بدأت ثورة في النمسا والجو كان مشبعا بالشعارات والأفكار الثورية والنظريات الجديدة والمتهورة أحيانا. من بين النظريات التي أثارت اهتمامي كانت بلا شك نظرية أينشتاين هي النظرية الأكثر أهمية من كل النظريات الأخرى. وكانت هناك ثلاثة نظريات أخرى: نظرية التاريخ – ماركس، التحليل-النفسي- فرويد وعلم النفس الفردي-أدلر.
قيل الكثير من الهراء الشائع عن هاته النظريات، وبخاصة عن النظرية النسبية (كما ما زال يقال عنها حتى اليوم)، ولكن كان من حسن حظي مرافقة من جعلوني أتعلم هذه النظرية. كنا مجموعة مصغرة من الطلاب عايشنا معاينات كسوف الشمس التي أجراها أدينغتون وفرحنا كثيرا لنتائجها، والتي أتت لأول مرة سنة 1919 على أول إثبات مهم لنظرية الجاذبية لأينشتاين. كانت هذه بمثابة خوض تجربة مثيرة كان لها أكبر الأثر على تطوري الفكري.
النظريات الثلاث الأخرى التي ذكرتها، تم تداولها بتوسع من قبل الطلاب في ذلك الحين. لي شخصيا، كانت لدي فرصة اللقاء الشخصي مع أدلر، إضافة إلى التعاون الشخصي معه في عمله الجماهيري مع الفتيان والشبان في أحياء العمال في فينا، حيث أسس هناك مراكز للإرشاد الاجتماعي.
إبان صيف 1919 بدأت أحس بعدم رضا متزايد من هذه النظريات الثلاث: النظرية الماركسية للتاريخ، التحليل النفسي وعلم النفس الفردي. وبدأت أشك في صلاحية هذه النظريات من حيث كونها نظريات علمية. بداية، كانت القضية تصاغ على النحو التالي: "ما هو العيب في الماركسية، التحليل النفسي وعلم النفس الفردي؟ ما هو الاختلاف الجذري بين هاته النظريات والنظريات الفيزيائية، نظرية نيوتن وبخاصة نظرية أينشتاين النسبية؟"
من أجل توضيح هذا التضاد، علي أن أنوه إلى أنه في ذلك الحين فقط القليل منا كانوا يؤمنون بصحة نظرية أينشتاين للجاذبية. من هنا لم يكن شكي بصحة تلك النظريات هو ما يقلقني، ولكن كان هناك شيء آخر. من جهة أخرى لم يكن هو الإحساس بأن الفيزياء الرياضية أكثر دقة من نوعية النظريات الاجتماعية. فالذي كان يقلقني ليس قضية الصحة والحقيقة، على الأقل في ذلك الحين، ولا قضية الدقة أو القياسات، ومع ذلك كان لدي الإحساس بأن النظريات الثلاث الأخرى، مع تظاهرها بكونها علمية إلا أنه كان لديها قاسم مشترك مع التنجيم (Astrology) أكثر منه مع علم الفلك (Astronomy).
وجدت أن الكثير من أصدقائي، الذين كانوا من أنصار ماركس، فرويد وأدلر، أعجبوا ببعض النقاط المشتركة ما بين هذه النظريات وخاصة من قوتها في شرح الأشياء. بدت هذه النظريات وكأنها قادرة على شرح كل ما يحدث في مجالها. وبدا كأن تعلم كل واحدة من هاته النظريات يشكل بمثابة اعتناق دين جديد من ناحية فكرية أو تجليا يكشف أمام عينيك حقائق جديدة كانت مخفية عن من لم يقفوا على أسرار هاته النظريات. وابتداءً من اللحظة التي فتحت عينيك فيها، كنت دائما ترى أدلة داعمة ومؤيدة في كل شيء. كل العالم يكتظ بتأييدات للنظرية، وكل ما يحدث يدعمها. وهكذا تبدو صحتها ظاهرة أمام العيان، ومن لم يؤمنوا بها كانوا بكل وضوح أناس لم يشاءوا رؤية الحقيقة الظاهرة بل ورفضوا رؤيتها لأنها كانت تناقض مصالحهم الطبقية أو بسب "الكبت" لأنهم كانوا ما يزالون في مرحلة "ما قبل التحليل"، وحالتهم تصرخ وتستنجد العلاج النفسي.
يتبع...
ترجمة: samird
نوفمبر 2009
لم تكن المشكلة التي واجهتني في ذلك الحين هي "متى تكون النظرية صحيحة؟" ولم تكن كذلك "متى يمكن قبول نظرية معينة أو الأخذ بها؟" ولكن القضية كانت مختلفة تماما. أردت أن أفرق بين العلم(science) والعلم الزائف (pseudo-science) ، مع معرفتي بأن العلم قد يخطئ أحيانا في حين أن العلم الزائف قد يصيب صدفة.
عرفت -طبعا- الجواب المعتاد لمشكلتي: أن الفرق بين العلم والعلم الزائف أو الميتافيزيقا – هو في الأسلوب الاستنباطي للعلم والذي هو استقرائي في جوهره، ويكون نتيجة للمعاينة أو التجربة، ولكن هذا الجواب لم يكفني، وعلى فكرة: غالبا ما صغت مشكلتي على أنها مشكلة التفريق بين أسلوب استنباطي حقيقي وبين أسلوب غير استنباطي أو استنباطي زائف- أي أسلوب يتوجه نحو المعاينة والتجربة ولكنه مع ذلك لا يخضع للمعايير العلمية. التنجيم على سبيل المثال: مع ثرائه العظيم بالأدلة الاستنباطية المبنية على معاينات مثل تنبؤات الأبراج والسير الذاتية. ولأن التنجيم لم يكن هو الذي ساقني إلى هذه المشكلة، من الجدير أن أصف باختصار الجو الذي نشأت فيه مشكلتي، والأمثلة التي كانت بمثابة حافز لها. في أعقاب سقوط الإمبراطورية النمساوية، بدأت ثورة في النمسا والجو كان مشبعا بالشعارات والأفكار الثورية والنظريات الجديدة والمتهورة أحيانا. من بين النظريات التي أثارت اهتمامي كانت بلا شك نظرية أينشتاين هي النظرية الأكثر أهمية من كل النظريات الأخرى. وكانت هناك ثلاثة نظريات أخرى: نظرية التاريخ – ماركس، التحليل-النفسي- فرويد وعلم النفس الفردي-أدلر.
قيل الكثير من الهراء الشائع عن هاته النظريات، وبخاصة عن النظرية النسبية (كما ما زال يقال عنها حتى اليوم)، ولكن كان من حسن حظي مرافقة من جعلوني أتعلم هذه النظرية. كنا مجموعة مصغرة من الطلاب عايشنا معاينات كسوف الشمس التي أجراها أدينغتون وفرحنا كثيرا لنتائجها، والتي أتت لأول مرة سنة 1919 على أول إثبات مهم لنظرية الجاذبية لأينشتاين. كانت هذه بمثابة خوض تجربة مثيرة كان لها أكبر الأثر على تطوري الفكري.
النظريات الثلاث الأخرى التي ذكرتها، تم تداولها بتوسع من قبل الطلاب في ذلك الحين. لي شخصيا، كانت لدي فرصة اللقاء الشخصي مع أدلر، إضافة إلى التعاون الشخصي معه في عمله الجماهيري مع الفتيان والشبان في أحياء العمال في فينا، حيث أسس هناك مراكز للإرشاد الاجتماعي.
إبان صيف 1919 بدأت أحس بعدم رضا متزايد من هذه النظريات الثلاث: النظرية الماركسية للتاريخ، التحليل النفسي وعلم النفس الفردي. وبدأت أشك في صلاحية هذه النظريات من حيث كونها نظريات علمية. بداية، كانت القضية تصاغ على النحو التالي: "ما هو العيب في الماركسية، التحليل النفسي وعلم النفس الفردي؟ ما هو الاختلاف الجذري بين هاته النظريات والنظريات الفيزيائية، نظرية نيوتن وبخاصة نظرية أينشتاين النسبية؟"
من أجل توضيح هذا التضاد، علي أن أنوه إلى أنه في ذلك الحين فقط القليل منا كانوا يؤمنون بصحة نظرية أينشتاين للجاذبية. من هنا لم يكن شكي بصحة تلك النظريات هو ما يقلقني، ولكن كان هناك شيء آخر. من جهة أخرى لم يكن هو الإحساس بأن الفيزياء الرياضية أكثر دقة من نوعية النظريات الاجتماعية. فالذي كان يقلقني ليس قضية الصحة والحقيقة، على الأقل في ذلك الحين، ولا قضية الدقة أو القياسات، ومع ذلك كان لدي الإحساس بأن النظريات الثلاث الأخرى، مع تظاهرها بكونها علمية إلا أنه كان لديها قاسم مشترك مع التنجيم (Astrology) أكثر منه مع علم الفلك (Astronomy).
وجدت أن الكثير من أصدقائي، الذين كانوا من أنصار ماركس، فرويد وأدلر، أعجبوا ببعض النقاط المشتركة ما بين هذه النظريات وخاصة من قوتها في شرح الأشياء. بدت هذه النظريات وكأنها قادرة على شرح كل ما يحدث في مجالها. وبدا كأن تعلم كل واحدة من هاته النظريات يشكل بمثابة اعتناق دين جديد من ناحية فكرية أو تجليا يكشف أمام عينيك حقائق جديدة كانت مخفية عن من لم يقفوا على أسرار هاته النظريات. وابتداءً من اللحظة التي فتحت عينيك فيها، كنت دائما ترى أدلة داعمة ومؤيدة في كل شيء. كل العالم يكتظ بتأييدات للنظرية، وكل ما يحدث يدعمها. وهكذا تبدو صحتها ظاهرة أمام العيان، ومن لم يؤمنوا بها كانوا بكل وضوح أناس لم يشاءوا رؤية الحقيقة الظاهرة بل ورفضوا رؤيتها لأنها كانت تناقض مصالحهم الطبقية أو بسب "الكبت" لأنهم كانوا ما يزالون في مرحلة "ما قبل التحليل"، وحالتهم تصرخ وتستنجد العلاج النفسي.
يتبع...
| « رد #3 في: 12/11/2009, 21:12:24 » | |
godfather
ebnelrawende
شكرا للمتابعة، وآمل أن يكون المقال غنيا بما يلبي تطلعاتكم.

برأيي أن الأساس الأكثر ملائمة لهذه الحالة هو التيار الغير منقطع من المعاينات الدائمة التي "تؤيد" النظريات أعلاه. وهذه النقطة يتم التركيز عليها دون توقف من قبل أنصار النظريات.فالماركسي مثلا لا يفتح جريدة إلا ويجد في كل صفحة أدلة تؤكد تفسيره للتاريخ، ليس فقط من خلال الأخبار الواردة فيها بل أيضا بطريقة عرضها -التي تكشف عن الميول الطبقية للجريدة- وأيضا –خاصة- بما هو ليس مذكور في الجريدة. المحللين الفرويديين يبرزون أن "معايناتهم العلاجية" تؤكد صحة نظرياتهم بشكل دائم. وبالنسبة لأدلر فقد أثرت في انطباعي تجربة شخصية مررت بها: مرة في سنة 1919، أعطيته تقريرا عن حالة لم تتفق مع نظرياته حسب وجهة نظري، ولكنه لم يجد أي صعوبة في تحليل الحالة من خلال مصطلحات نظريته عن الشعور بالنقص والدونية، وذلك حتى دون أن يقوم بمعاينة الولد. فسألته مذهولا من أين له كل هذه الثقة؟ فأجابني: "من خلال تجربتي الغنية والتي تبلغ العشرة آلاف" هنا لم أتمالك نفسي وقلت: "بإضافة هذه الحالة أفترض أن تجربتك ستبلغ العشرة آلاف وواحد".
بهذا القول قصدت أنْ أقول أنّ معايناته السابقة لم تكن أكثر مصداقية من هذه الأخيرة. وأن كل واحدة من هذه الحالات تم تفسيرها بموجب "الخبرة السابقة" وفي الوقت ذاته تم اعتبارها تأكيدا إضافيا. سألت نفسي: ماذا أكدت؟ وكانت الإجابة: ليس أكثر من وجود إمكانية لتفسير الحالة حسب النظرية. ولكن، بنظري كان لهذا الأمر أهمية ضئيلة فقط، وذلك لأن كل حالة تخطر ببالنا يمكن تفسيرها حسب نظرية أدلر وبنفس القدر حسب نظرية فرويد. بإمكاني أن أشرح الأمر عن طريق مثالين مختلفين من السلوك الإنساني: الأول عن شخص يدفع بطفل إلى الماء بغرض إغراقه والآخر يضحي بحياته من أجل إنقاذ الطفل. كل واحدة من هذه الحالتين يمكن تفسيرها بسهولة حسب المصطلحات الفرويدية والأدلرية. فحسب فرويد يعاني الشخص الأول من "الكبت"repression (لأحد مكونات عقدته الأوديبية) فيما الشخص الثاني قام "بالتعلية" sublimation . أما حسب أدلر يعاني الشخص الأول من عقدة الشعور بالدونية (والتي جعلت لديه حاجة لأن يثبت لنفسه أن لديه الجرأة لينفذ الجريمة) وكذا الأمر بالنسبة للشخص الثاني (الذي كانت حاجة لأن يثبت لنفسه أن لديه الجرأة لينقذ الطفل). لم يخطر ببالي أية سلوك إنساني لا يمكن تفسيره وفقا للنظريتين. هذه الميزة بالذات، التوافق والتأكيد الدائمين، كانت بمثابة أقوى حجة لدى أنصار هذه النظريات والمعجبين بها. حينها تعمّق لديّ الإدراك أن هذه المناعة الموهومة هي بالأحرى نقطة الضعف لدى هذه النظريات.
بالنسبة لنظرية أينشتاين فالوضع مختلف تماما، لنأخذ على سبيل المثال إحدى الحالات النموذجية- تنبؤ أينشتاين الذي تم تأكيده من قبل بعثة أدينغتون. حسب نظرية الجاذبية لأينشتاين فإن الضوء ينجذب نحو الأجرام الثقيلة (مثل الشمس) بالضبط كما تنجذب الأجسام المادية نحوها. من هنا يمكننا أنْ نحسب أنّ الضوء القادم من نجم بعيد، مكانه المتوهّم قريب من الشمس، سوف يأتي إلينا وقد ابتعد قليلا عن الشمس. أو بكلمات أخرى فإن النجوم القريبة من الشمس ستبدو وكأنها ابتعدت قليلا عن الشمس وابتعدت عن بعضها البعض. من الصعوبة بمكان معاينة هذه الظاهرة نظرا لأن هذه النجوم لا تمكن رؤيتها بسبب شدة إضاءة الشمس. ولكن أثناء كسوف الشمس بالإمكان تصويرها. وإذا تم تصوير هذه النجوم ليلا (عند عدم وجود الشمس) يمكن أن نقيس الأبعاد بينها في الصورتين وأن نختبر الظاهرة التي تنبأ بها أينشتاين.
الأمر المثير في هذه الحالة هي المخاطرة المقترنة بتنبؤ من هذا القبيل، فإذا أثبتت المعاينة عدم وجود الظاهرة المتوقعة، يمكن حينها اعتبار النظرية مفنّدة. فالنظرية لا تتفق مع بعض نتائج المعاينات الممكنة، وفي الواقع، مع النتائج التي كان الجميع يتوقعها قبل أن يقترح أينشتاين نظريته. هذا الوضع يختلف تماما عما وصفته آنفا، من أن النظريات المذكورة تتفق مع كل سلوك إنساني مهما كان شاذا، حتى انه من غير الممكن أن نجد سلوكا إنسانيا لا يمكن القول عنه أنه يؤكد صحة هذه النظريات.
هذه الاعتبارات أوصلتني في شتاء 1919-1920 إلى النتائج التالية والتي يمكنني إعادة صياغتها على النحو الآتي:
1- من السهل الحصول على دعائم وتعزيزات لصحة كل نظرية تقريبا إذا كنا نبحث عن تعزيزات.
2- يجب أخذ هذه التعزيزات بالحسبان فقط إذا كانت ناجمة عن تنبؤات مقرونة بالمخاطرة، بكلمات أخرى، لو لم نعرف النظرية لكنا توقعنا حدثا يتعارض مع النظرية- حدثا يمكن أن يفند النظرية.
3- كل نظرية علمية "جيدة" تكون بمثابة منع: فهي تمنع بعض الأمور من الحدوث.وكلما كانت النظرية تمنع أكثر تكون قوتها أكبر.
4- النظرية الغير قابلة للتفنيد أو النقض بواسطة أي حدث كان، يمكن توقعه أو تخيله، فهي نظرية غير علمية. فالحصانة ضد التفنيد ليست ميزة لصالح النظرية (على ما يظن غالبا) بل هي بمثابة نقص فيها.
5- الاختبار الحقيقي للنظرية هو محاولة لنقضها أو تفنيدها. القابلية للاختبار هي القابلية للتفنيد، ولكن هناك درجات من القابلية للاختبار: هناك نظريات قابلة للاختبار أكثر من غيرها، وبذلك فهي تكون معرضة أكثر للتفنيد، وتأخذ على عاتقها بذلك مخاطرات كبيرة.
6- لا يجب الأخذ بعين الاعتبار أدلة تعزيزية إلا عندما تكون هذه الأدلة نتاجا لاختبار حقيقي للنظرية. وفي هذه الحالة يمكن اعتبارها كمحاولات جادة ولكن فاشلة لتفنيد النظرية (في هذه الأيام أنا أتكلم عن الأدلة التعزيزية فقط عن حالات كهذه.
7- يحدث أحيانا أن بعض النظريات هي فعلا قابلة للاختبار، ولكن تبين أنها نظريات مفندة، وبالرغم من ذلك فإن المعجبين بهذه النظريات يظلون متمسكين بها – على سبيل المثال عن طريق إضافة بعض الفرضيات المساعدة التي وضعت خصيصا لهذا الغرض، أو عن طريق تفسيرها تفسيرا جديدا خاصا كي تتفادى النظرية التفنيد، خطوات من هذا القبيل ممكنة دائما، إلا أنها تنقذ النظرية من التفنيد مقابل ثمن باهظ، هو هدم المركز العلمي للنظرية أو مع الأسف تقويضه. (لاحقا وصفت هذه العملية كأنها "التفاف تقليدي" أو حيلة تقليدية)
كل هذا يمكن تلخيصه بالقول "المبدأ لتحديد المكانة العلمية لنظرية ما، هو كونها قابلة للتفنيد، قابلة للاختبار أو قابلة للنقض."
يتبع...
كلماتك أجمل وأرحب بتعليقاتك.
ربما أستطيع أن أوضح مبدأ القابلية للتفنيد المذكور أعلاه بمساعدة النظريات المختلفة التي تم ذكرها حتى الآن. من الواضح أن نظرية الجاذبية لأينشتاين تحقق متطلبات هذا المبدأ.وحتى لو كانت أجهزة القياس آنذاك لا تمكننا من البت بثقة تامة لصالح نتائج التجارب، فمن الواضح أن هذه التجارب كانت بإمكانها تفنيد النظرية.
"علم" التنجيم لم ينجح بالاختبار، تأثر المنجمون كثيرا بل وتم تضليلهم من قبل ما ظنوه بمثابة أدلة داعمة، إلى درجة أنهم لم يحفلوا بأي دليل مناقض لنظرياتهم وتنبؤاتهم. إضافة لذلك، وعن طريق جعل تفسيراتهم وتنبؤاتهم غاية في الغموض والضبابية، أصبح باستطاعتهم إيجاد الأعذار كل ما يمكن أن يفند نظرياتهم في حال كونها أكثر وضوحا ودقة. فمن أجل تجنب التفنيد قاموا بهدم نظرياتهم. فالخدعة النموذجية للمنجم هي التنبؤ بشكل ضبابي بحيث أن نبوءاته لا يمكن إثبات خطئها كونها غير قابلة للتفنيد.
على الرغم من الجهود الجادة لمؤسسيها وأنصارها، فإن النظرية الماركسية للتاريخ قد تبنت في نهاية الأمر هذه العادة للمنجمين. في صياغاتها المبكرة (مثلا في تحليل ماركس لطبيعة "الثورة الاجتماعية العتيدة") حوت النظرية بعض التنبؤات القابلة للاختبار، وفي الواقع تم تفنيدها. ولكن، بدلا من تقبل التفنيد، قام أنصار الماركسية بتفسير النظرية والأدلة تفسيرات جديدة ليتم التوافق بينها. وهكذا نجحوا في إنقاذ النظرية من التفنيد. ولكن هذا التحايل كان له ثمن هو جعل النظرية غير قابلة للتفنيد، وهكذا قاموا بعملية "التفاف تقليدي" للنظرية، وبهذا التحايل هدموا الأساس العلمي للنظرية والذي لطالما افتخروا به.
تنتمي النظريتان الأخريان – التحليل النفسي وعلم النفس الفردي- لمجموعة أخرى. فهي غير قابلة للاختبار ولا للتفنيد. لا يمكن الإتيان بأي سلوك إنساني يمكن أن ينقضها أو يفندها. هذا لا يعني أن فرويد وأدلر لم يروا بعض الأمور بشكل صحيح: شخصيا، ليس لدي شك أن بعض أفكارهم تحمل قيمة كبيرة، ومن الممكن مستقبلا، أن تلعب دورا مركزيا في إطار علم نفسي قابل للاختبار. ولكن تفسير الأمر: أن "المعاينات العلاجية" التي يؤمن التحليليون بكل براءة أنها تدعم وتعزز نظرياتهم، ليست أكثر دورا من التوكيدات اليومية التي يجدها المنجمون خلال عملهم. أما الملحمة الفرويدية حول "الهي و الأنا و الأنا العليا" "Id, ego, and super-ego" فإن ادعائها لمركز علمي ليس بأقوى من ادعاء مركز علمي لمجموعة قصص الأولمب لهوميروس. فهذه القصص تصف بعض الحقائق، ولكن حسب منهج الأساطير، فهي تخبئ في طياتها بعض الأفكار السيكولوجية المثيرة للاهتمام، ولكن ليس بشكل قابل للاختبار.
حينها أدركت أن بالإمكان تطوير بعض الأساطير من هذا القبيل لتصبح قابلة للاختبار، فمن ناحية تاريخية فإن مصدر كل النظريات العلمية أو جلها هو مصدر أسطوري، وأن الأسطورة قد تخبئ داخلها مقدمات لنظريات علمية. فعلى سبيل المثال: نظرية إيمبيدوقليس عن التطور بطريق التجربة والخطأ، وأسطورة برمينيدس عن قطعة الكون غير المتغيرة والتي لا يحدث فيها حدث أبدا، والتي إذا أضفنا لها بعدا جديدا تصبح قطعة الكون الأينشتانية (والتي لا يحدث فيها شيء أبدا، حيث أنه من وجهة نظر رباعية الأبعاد كل شيء ثابت ومحدد سلفا). أحسست إذن، أنه حتى لو كانت النظرية غير علمية أو ميتافيزيقية كما نقول عادة، فليس معنى ذلك أنها غير ذات قيمة أو عديمة المعنى، ولكن لا يمكن لهذه النظرية أن تدعي أنها مدعومة بأدلة استنباطية بمفهومها العلمي، حتى ولو كانت في منشأها، نتيجة لمعاينات.
(كان هناك كثير من النظريات ذات الطابع "ما قبل العلمي" أو "العلمي الزائف" و بعضها لسوء الحظ، كان لها بالغ التأثير مثل التفسير الماركسي للتاريخ، وأسوأها التفسير العنصري للتاريخ- نظرية أخرى من النظريات المثيرة التي تفسر كل شيء وتؤثر على قليلي العقل كأنها تجليات)
من هنا فإن المشكلة التي أردت حلها بواسطة اقتراح مبدأ القابلية للتفنيد لم تكن مشكلة المعنى أو المفهوم، ولا حتى مشكلة الصحة والقبول. كانت هذه مشكلة مد خط (بصورة جيدة قدر الإمكان) بين آيات أو مجموعات آيات العلوم الاستنباطية وبين بقية الآيات، سواء كانت ذات طابع ديني أو ميتافيزيقي، أو كانت مجرد علوم زائفة. بعد ذلك بسنوات، ربما في الأعوام 1928 و 1929 سميت هذه المشكلة الأولية ب"مشكلة التحديد". مبدأ القابلية للنقض هو حل لمشكلة التحديد هذه. حيث أنه يقول أنه كي نعتبر آيات أو مجموعات آيات على أنها علمية، يتوجب عليها أن تكون قادرة على التصادم مع معاينات ممكنة الحدوث أو التوهم.
تم.
المقال هو جزء من الفصل: "العلم: فرضيات وتفنيدات" والذي نشر لأول مرة في كتاب كارل بوبر Conjectures and Refutations.
ثم تم نشر المقال تحت عنوان: Science, pseudo-Science and Falsability في جامعة كولومبيا.
وقد قمت بترجمته من النص الوارد في أحد الكتب الأكاديمية.
ebnelrawende
شكرا للمتابعة، وآمل أن يكون المقال غنيا بما يلبي تطلعاتكم.
برأيي أن الأساس الأكثر ملائمة لهذه الحالة هو التيار الغير منقطع من المعاينات الدائمة التي "تؤيد" النظريات أعلاه. وهذه النقطة يتم التركيز عليها دون توقف من قبل أنصار النظريات.فالماركسي مثلا لا يفتح جريدة إلا ويجد في كل صفحة أدلة تؤكد تفسيره للتاريخ، ليس فقط من خلال الأخبار الواردة فيها بل أيضا بطريقة عرضها -التي تكشف عن الميول الطبقية للجريدة- وأيضا –خاصة- بما هو ليس مذكور في الجريدة. المحللين الفرويديين يبرزون أن "معايناتهم العلاجية" تؤكد صحة نظرياتهم بشكل دائم. وبالنسبة لأدلر فقد أثرت في انطباعي تجربة شخصية مررت بها: مرة في سنة 1919، أعطيته تقريرا عن حالة لم تتفق مع نظرياته حسب وجهة نظري، ولكنه لم يجد أي صعوبة في تحليل الحالة من خلال مصطلحات نظريته عن الشعور بالنقص والدونية، وذلك حتى دون أن يقوم بمعاينة الولد. فسألته مذهولا من أين له كل هذه الثقة؟ فأجابني: "من خلال تجربتي الغنية والتي تبلغ العشرة آلاف" هنا لم أتمالك نفسي وقلت: "بإضافة هذه الحالة أفترض أن تجربتك ستبلغ العشرة آلاف وواحد".
بهذا القول قصدت أنْ أقول أنّ معايناته السابقة لم تكن أكثر مصداقية من هذه الأخيرة. وأن كل واحدة من هذه الحالات تم تفسيرها بموجب "الخبرة السابقة" وفي الوقت ذاته تم اعتبارها تأكيدا إضافيا. سألت نفسي: ماذا أكدت؟ وكانت الإجابة: ليس أكثر من وجود إمكانية لتفسير الحالة حسب النظرية. ولكن، بنظري كان لهذا الأمر أهمية ضئيلة فقط، وذلك لأن كل حالة تخطر ببالنا يمكن تفسيرها حسب نظرية أدلر وبنفس القدر حسب نظرية فرويد. بإمكاني أن أشرح الأمر عن طريق مثالين مختلفين من السلوك الإنساني: الأول عن شخص يدفع بطفل إلى الماء بغرض إغراقه والآخر يضحي بحياته من أجل إنقاذ الطفل. كل واحدة من هذه الحالتين يمكن تفسيرها بسهولة حسب المصطلحات الفرويدية والأدلرية. فحسب فرويد يعاني الشخص الأول من "الكبت"repression (لأحد مكونات عقدته الأوديبية) فيما الشخص الثاني قام "بالتعلية" sublimation . أما حسب أدلر يعاني الشخص الأول من عقدة الشعور بالدونية (والتي جعلت لديه حاجة لأن يثبت لنفسه أن لديه الجرأة لينفذ الجريمة) وكذا الأمر بالنسبة للشخص الثاني (الذي كانت حاجة لأن يثبت لنفسه أن لديه الجرأة لينقذ الطفل). لم يخطر ببالي أية سلوك إنساني لا يمكن تفسيره وفقا للنظريتين. هذه الميزة بالذات، التوافق والتأكيد الدائمين، كانت بمثابة أقوى حجة لدى أنصار هذه النظريات والمعجبين بها. حينها تعمّق لديّ الإدراك أن هذه المناعة الموهومة هي بالأحرى نقطة الضعف لدى هذه النظريات.
بالنسبة لنظرية أينشتاين فالوضع مختلف تماما، لنأخذ على سبيل المثال إحدى الحالات النموذجية- تنبؤ أينشتاين الذي تم تأكيده من قبل بعثة أدينغتون. حسب نظرية الجاذبية لأينشتاين فإن الضوء ينجذب نحو الأجرام الثقيلة (مثل الشمس) بالضبط كما تنجذب الأجسام المادية نحوها. من هنا يمكننا أنْ نحسب أنّ الضوء القادم من نجم بعيد، مكانه المتوهّم قريب من الشمس، سوف يأتي إلينا وقد ابتعد قليلا عن الشمس. أو بكلمات أخرى فإن النجوم القريبة من الشمس ستبدو وكأنها ابتعدت قليلا عن الشمس وابتعدت عن بعضها البعض. من الصعوبة بمكان معاينة هذه الظاهرة نظرا لأن هذه النجوم لا تمكن رؤيتها بسبب شدة إضاءة الشمس. ولكن أثناء كسوف الشمس بالإمكان تصويرها. وإذا تم تصوير هذه النجوم ليلا (عند عدم وجود الشمس) يمكن أن نقيس الأبعاد بينها في الصورتين وأن نختبر الظاهرة التي تنبأ بها أينشتاين.
الأمر المثير في هذه الحالة هي المخاطرة المقترنة بتنبؤ من هذا القبيل، فإذا أثبتت المعاينة عدم وجود الظاهرة المتوقعة، يمكن حينها اعتبار النظرية مفنّدة. فالنظرية لا تتفق مع بعض نتائج المعاينات الممكنة، وفي الواقع، مع النتائج التي كان الجميع يتوقعها قبل أن يقترح أينشتاين نظريته. هذا الوضع يختلف تماما عما وصفته آنفا، من أن النظريات المذكورة تتفق مع كل سلوك إنساني مهما كان شاذا، حتى انه من غير الممكن أن نجد سلوكا إنسانيا لا يمكن القول عنه أنه يؤكد صحة هذه النظريات.
هذه الاعتبارات أوصلتني في شتاء 1919-1920 إلى النتائج التالية والتي يمكنني إعادة صياغتها على النحو الآتي:
1- من السهل الحصول على دعائم وتعزيزات لصحة كل نظرية تقريبا إذا كنا نبحث عن تعزيزات.
2- يجب أخذ هذه التعزيزات بالحسبان فقط إذا كانت ناجمة عن تنبؤات مقرونة بالمخاطرة، بكلمات أخرى، لو لم نعرف النظرية لكنا توقعنا حدثا يتعارض مع النظرية- حدثا يمكن أن يفند النظرية.
3- كل نظرية علمية "جيدة" تكون بمثابة منع: فهي تمنع بعض الأمور من الحدوث.وكلما كانت النظرية تمنع أكثر تكون قوتها أكبر.
4- النظرية الغير قابلة للتفنيد أو النقض بواسطة أي حدث كان، يمكن توقعه أو تخيله، فهي نظرية غير علمية. فالحصانة ضد التفنيد ليست ميزة لصالح النظرية (على ما يظن غالبا) بل هي بمثابة نقص فيها.
5- الاختبار الحقيقي للنظرية هو محاولة لنقضها أو تفنيدها. القابلية للاختبار هي القابلية للتفنيد، ولكن هناك درجات من القابلية للاختبار: هناك نظريات قابلة للاختبار أكثر من غيرها، وبذلك فهي تكون معرضة أكثر للتفنيد، وتأخذ على عاتقها بذلك مخاطرات كبيرة.
6- لا يجب الأخذ بعين الاعتبار أدلة تعزيزية إلا عندما تكون هذه الأدلة نتاجا لاختبار حقيقي للنظرية. وفي هذه الحالة يمكن اعتبارها كمحاولات جادة ولكن فاشلة لتفنيد النظرية (في هذه الأيام أنا أتكلم عن الأدلة التعزيزية فقط عن حالات كهذه.
7- يحدث أحيانا أن بعض النظريات هي فعلا قابلة للاختبار، ولكن تبين أنها نظريات مفندة، وبالرغم من ذلك فإن المعجبين بهذه النظريات يظلون متمسكين بها – على سبيل المثال عن طريق إضافة بعض الفرضيات المساعدة التي وضعت خصيصا لهذا الغرض، أو عن طريق تفسيرها تفسيرا جديدا خاصا كي تتفادى النظرية التفنيد، خطوات من هذا القبيل ممكنة دائما، إلا أنها تنقذ النظرية من التفنيد مقابل ثمن باهظ، هو هدم المركز العلمي للنظرية أو مع الأسف تقويضه. (لاحقا وصفت هذه العملية كأنها "التفاف تقليدي" أو حيلة تقليدية)
كل هذا يمكن تلخيصه بالقول "المبدأ لتحديد المكانة العلمية لنظرية ما، هو كونها قابلة للتفنيد، قابلة للاختبار أو قابلة للنقض."
يتبع...
كلماتك أجمل وأرحب بتعليقاتك.
ربما أستطيع أن أوضح مبدأ القابلية للتفنيد المذكور أعلاه بمساعدة النظريات المختلفة التي تم ذكرها حتى الآن. من الواضح أن نظرية الجاذبية لأينشتاين تحقق متطلبات هذا المبدأ.وحتى لو كانت أجهزة القياس آنذاك لا تمكننا من البت بثقة تامة لصالح نتائج التجارب، فمن الواضح أن هذه التجارب كانت بإمكانها تفنيد النظرية.
"علم" التنجيم لم ينجح بالاختبار، تأثر المنجمون كثيرا بل وتم تضليلهم من قبل ما ظنوه بمثابة أدلة داعمة، إلى درجة أنهم لم يحفلوا بأي دليل مناقض لنظرياتهم وتنبؤاتهم. إضافة لذلك، وعن طريق جعل تفسيراتهم وتنبؤاتهم غاية في الغموض والضبابية، أصبح باستطاعتهم إيجاد الأعذار كل ما يمكن أن يفند نظرياتهم في حال كونها أكثر وضوحا ودقة. فمن أجل تجنب التفنيد قاموا بهدم نظرياتهم. فالخدعة النموذجية للمنجم هي التنبؤ بشكل ضبابي بحيث أن نبوءاته لا يمكن إثبات خطئها كونها غير قابلة للتفنيد.
على الرغم من الجهود الجادة لمؤسسيها وأنصارها، فإن النظرية الماركسية للتاريخ قد تبنت في نهاية الأمر هذه العادة للمنجمين. في صياغاتها المبكرة (مثلا في تحليل ماركس لطبيعة "الثورة الاجتماعية العتيدة") حوت النظرية بعض التنبؤات القابلة للاختبار، وفي الواقع تم تفنيدها. ولكن، بدلا من تقبل التفنيد، قام أنصار الماركسية بتفسير النظرية والأدلة تفسيرات جديدة ليتم التوافق بينها. وهكذا نجحوا في إنقاذ النظرية من التفنيد. ولكن هذا التحايل كان له ثمن هو جعل النظرية غير قابلة للتفنيد، وهكذا قاموا بعملية "التفاف تقليدي" للنظرية، وبهذا التحايل هدموا الأساس العلمي للنظرية والذي لطالما افتخروا به.
تنتمي النظريتان الأخريان – التحليل النفسي وعلم النفس الفردي- لمجموعة أخرى. فهي غير قابلة للاختبار ولا للتفنيد. لا يمكن الإتيان بأي سلوك إنساني يمكن أن ينقضها أو يفندها. هذا لا يعني أن فرويد وأدلر لم يروا بعض الأمور بشكل صحيح: شخصيا، ليس لدي شك أن بعض أفكارهم تحمل قيمة كبيرة، ومن الممكن مستقبلا، أن تلعب دورا مركزيا في إطار علم نفسي قابل للاختبار. ولكن تفسير الأمر: أن "المعاينات العلاجية" التي يؤمن التحليليون بكل براءة أنها تدعم وتعزز نظرياتهم، ليست أكثر دورا من التوكيدات اليومية التي يجدها المنجمون خلال عملهم. أما الملحمة الفرويدية حول "الهي و الأنا و الأنا العليا" "Id, ego, and super-ego" فإن ادعائها لمركز علمي ليس بأقوى من ادعاء مركز علمي لمجموعة قصص الأولمب لهوميروس. فهذه القصص تصف بعض الحقائق، ولكن حسب منهج الأساطير، فهي تخبئ في طياتها بعض الأفكار السيكولوجية المثيرة للاهتمام، ولكن ليس بشكل قابل للاختبار.
حينها أدركت أن بالإمكان تطوير بعض الأساطير من هذا القبيل لتصبح قابلة للاختبار، فمن ناحية تاريخية فإن مصدر كل النظريات العلمية أو جلها هو مصدر أسطوري، وأن الأسطورة قد تخبئ داخلها مقدمات لنظريات علمية. فعلى سبيل المثال: نظرية إيمبيدوقليس عن التطور بطريق التجربة والخطأ، وأسطورة برمينيدس عن قطعة الكون غير المتغيرة والتي لا يحدث فيها حدث أبدا، والتي إذا أضفنا لها بعدا جديدا تصبح قطعة الكون الأينشتانية (والتي لا يحدث فيها شيء أبدا، حيث أنه من وجهة نظر رباعية الأبعاد كل شيء ثابت ومحدد سلفا). أحسست إذن، أنه حتى لو كانت النظرية غير علمية أو ميتافيزيقية كما نقول عادة، فليس معنى ذلك أنها غير ذات قيمة أو عديمة المعنى، ولكن لا يمكن لهذه النظرية أن تدعي أنها مدعومة بأدلة استنباطية بمفهومها العلمي، حتى ولو كانت في منشأها، نتيجة لمعاينات.
(كان هناك كثير من النظريات ذات الطابع "ما قبل العلمي" أو "العلمي الزائف" و بعضها لسوء الحظ، كان لها بالغ التأثير مثل التفسير الماركسي للتاريخ، وأسوأها التفسير العنصري للتاريخ- نظرية أخرى من النظريات المثيرة التي تفسر كل شيء وتؤثر على قليلي العقل كأنها تجليات)
من هنا فإن المشكلة التي أردت حلها بواسطة اقتراح مبدأ القابلية للتفنيد لم تكن مشكلة المعنى أو المفهوم، ولا حتى مشكلة الصحة والقبول. كانت هذه مشكلة مد خط (بصورة جيدة قدر الإمكان) بين آيات أو مجموعات آيات العلوم الاستنباطية وبين بقية الآيات، سواء كانت ذات طابع ديني أو ميتافيزيقي، أو كانت مجرد علوم زائفة. بعد ذلك بسنوات، ربما في الأعوام 1928 و 1929 سميت هذه المشكلة الأولية ب"مشكلة التحديد". مبدأ القابلية للنقض هو حل لمشكلة التحديد هذه. حيث أنه يقول أنه كي نعتبر آيات أو مجموعات آيات على أنها علمية، يتوجب عليها أن تكون قادرة على التصادم مع معاينات ممكنة الحدوث أو التوهم.
تم.
المقال هو جزء من الفصل: "العلم: فرضيات وتفنيدات" والذي نشر لأول مرة في كتاب كارل بوبر Conjectures and Refutations.
ثم تم نشر المقال تحت عنوان: Science, pseudo-Science and Falsability في جامعة كولومبيا.
وقد قمت بترجمته من النص الوارد في أحد الكتب الأكاديمية.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق